الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

مع الأزمات التي تلاحقها... هل المجلات الثقافية المصرية في طريق الغياب؟

المصدر: "النهار"
غلاف إحدى المجلات الثقافية في مصر.
غلاف إحدى المجلات الثقافية في مصر.
A+ A-
 
كتبت: جيهان محروس
 
تعانى المجلات الثقافية في مصر في الفترة الأخيرة تراجعاً كبيراً، جعلها منفصلة عن الواقع الثقافي وبعيدة كل البعد من الأدباء والمبدعين، على النقيض من دورها في الماضي. فمنذ أن بدأ صدورها في أواخر القرن التاسع عشر، شهدت ميلاد قامات فكرية وأدباء ومفكرين، ما زالت أسماؤهم محفورة في أذهاننا حتى الآن بفضل تلك الاصدارات التي كانت تحوي في طياتها ابداعاتهم وكتاباتهم، التي كانت رائدة في التنوير ومواجهة الأفكار الظلامية والمتخلفة.
عن مشاكل الصحافة الثقافية في مصر وأسباب تراجعها، تحدّثنا مع بعض المتخصّصين.
حاتم حافظ، رئيس تحرير مجلة "فنون" يقول: "المجلات الثقافية تعاني فعلاً مشاكل التوزيع، لكن مما لا يخفى على أحد أنّ الصحافة تعاني عالميا لدرجة أن بعض الصحف الشهيرة توقفت عن الصدور الورقي، في خطوة لم يظن أحد أن تحدث. طبعا هذا يتعلّق بوجود المواقع الالكترونية التي لديها القدرة على توفير كل ما يلزم القارئ". 
 
ويضيف: "في مصر تعاني المجلات الثقافية مثلها مثل باقي الإصدارات الصحافية مشاكل التوزيع، أولا ارتفاع أسعار الورق عالميا تسبب في ارتفاع أسعارها، ثانياً انخفاض مستوى الدخل لدى شرائح كبيرة، مما اضطر القراء إلى عدم انتظامهم في الشراء، ثالثا تسببت الأحوال السياسية منذ 2011 وما ترتب عليها من اضطرابات في تراجع الاهتمام بالثقافة بسبب اهتمام الناس بما يجري في السياسة، وما أن بدأنا في التعافي نسبيا حتى أتت الجائحة التي عطلت العمل الثقافي برمته.
 
أيضا الصحافة الثقافية بالذات تتأثر بالتغيرات السياسية، فمثلا مجلة الرسالة في الثلاثينيات كانت توزّع مائتي ألف نسخة لكنها توقفت عن الصدور نهائيا بعد حرب 48، والتوترات التي أعقبتها في المنطقة، فالصحافة الثقافية تحتاج لاستقرار سياسي كبير كي تنتعش". 
 
كيف يتم تطويرها؟
 
يرى حافظ أنّ "المجلات الثقافية تتطوّر، إذا ما تم التعامل مع الثقافة نفسها كمنتج اقتصادي، آليات إنتاج وتسويق الثقافة يجب أن تتغير. فكرة عمل الدولة كمنتج للثقافة دون مشاركة القطاع الاستثماري فكرة لم تعد مقبولة، ولا بد أن تبدأ الدولة في التعامل مع الثقافة بمنطق الاستثمار، سواء الاستثمار المادي أو المعنوي، كما أنّ على الدولة دور في تشجيع الاستثمار في قطاع الصحافة الثقافية وإدراك أنّ المجلات الثقافية أداة من أدوات الدولة لتفعيل قواها الناعمة، ومن ثم فإنّ وزارة الثقافة وحدها لا يجب أن تتحمّل كلفة الثقافة كلها، ولكن أن تشاركها وزارات أخرى كالخارجية والتعليم والتعليم العالي وغيرها، لأن كل نسخة من مجلة ثقافية مصرية يقرأها عربي أو إفريقي هي خطوة في طريقنا للآخر وفي طريقنا لكسبه إلى صفنا".
وعن دور النشر الالكتروني لهذه الاصدارات، يقول: أظن أنه أصبح استجابة للعصر، وصحيح أنّ عددا كبيرا من القراء صاروا يتعاملون مع النشر الالكتروني لكن من الصحيح أيضاً أنّ عددا كبيرا من القراء ما زالوا متمسكين بالنسخ الورقية. لهذا حين ناقشنا تحويل مجلة فنون مثلاً إلى مجلة الكترونية أصررت على أن لا يغني النشر الالكتروني عن النشر الورقي، ولهذا فالاتجاه الغالب إلى نشر عدد معقول ورقيا من كل عدد. لكن مع الوقت أعتقد أن العالم سيستغنى عن النشر الورقي سواء فيما يخص المجلات الثقافية أو حتى الكتب. فالمستقبل للأجهزة المختصة للقراءة مثل كيندل والتي ستوفر عددا أكبر للقارئ وسوف تحل مشكلة وجود المكتبة في البيت خصوصا والعالم يتجه إلى الفضاءات السكنية صغيرة المساحة". 
رأى آخر لمدير تحرير مجلة "إبداع" هشام اصلان، يقول فيه إنّ "وضع الصحافة الثقافية في مصر ليس وحده المتردي، بل إن الصحافة بعامة بات وضعها متراجعاً وسيئاً، والمتابع للمجلات والصفحات الثقافية في الجرائد اليومية يدرك جيدا أنّ دائرة تلقيها ضعيفة منذ فترة طويلة، فما بالك بعد تردي الأوضاع الصحافية، ومع ذلك فحينما تقدّم المجلات الثقافية المتواجدة حاليا مادة مميزة تجد إقبالا عليها". 
 
معوقات عدة
يعدّد أصلان المعوقات التى تقف أمام هذه الاصدارات قائلاً: "اولها الدعم ولي تجربة مع مجلة ابداع، حيث تصدر من هيئة الكتاب والتي تحاول قدر المستطاع توفير الامكانات في وقت نجد فيه المجلات لا تلقى الدعم الكافي من المؤسسات المستقلة، الا أنّ العقبة التي نجدها مع الروتين الحكومي، أيضا التمويل وترك مساحة معقولة من الحرية يعتبران معوقين لهذه الإصدارات، فالبرغم من أنها لا تحتاج إلى سقف كبير من الحرية وبخاصة أنها لا تصطدم مع الجانب السياسي إلا أن مشاكل الدين هي ما تحدّ حريتها". 
 
يذكّر أصلان أيضاً أن عدم وجود كفاءات تدير الاصدارات بشكل جيد يعوق تطورها وتواجدها، نافياً أن يكون التحول الإلكتروني عائقاً اساسيا، ومؤكدا ان طبيعة المادة المنشورة هي ما يحسم اذا كان الاصدار مقروءاً أم لا، حيث قال إن النشر الالكتروني لا يعد سوى محاولة أوسع للانتشار ولم يؤثر في المطبوعات إلا أنه تأثير بسيط، وهناك تجارب كثيرة تدل على ذلك، مثل مجلة الدوحة كانت مقروءة جدا في مصر قبل فترة حكم الإخوان وكانت تقدم مادة جيدة، وقاموا في هذه الفترة بإنشاء موقع الكتروني لها، لكنه لم ينجح. الفكرة هنا ما يقدم، فالقارئ يبحث عما يحبه وما يقنعه حتى وان كان غير متوافر بسهولة، أو كان يقدم بأبسط الامكانات. وختم: "لا اعتقد اننا في مصر والعالم العربي وصلنا لمعضلة اختفاء الصحافة الورقية في ظل انتشار السوشيل ميديا". 
على النقيض من ذلك، جاء رأى الكاتب مصطفى عبدالله رئيس تحرير "أخبار الأدب السابق"، والذي يرى أنّ المجلات الثقافية لم تتراجع جميعها، قائلاً: "هناك مجلات ذات طبعات فاخرة ومكلفة ما زالت لها رونقها مثل المطبوعات الأجنبية التي تأتي إلينا، على العكس من المطبوعات المحلية التي لم تعد مقصد الكاتب مثلما كانت قديما، حيث كان الكاتب يسعى لأن يرى عمله على صفحاتها، وذلك بسبب السوشيل ميديا، فالكاتب أو المبدع بات الآن يستطيع أن ينشر نصه لحظة كتابته ويحصد الجزاء الخاص به، وردّ فعل المتلقي والناقد في لحظتها، كأنه يعقد ندوة لكتابه، وهذا بالطبع أضر بالمطبوعة لأن النصّ الجيد أصبح صاحبه يستطيع نشره على مواقع مختلفة، وليس في إصدار واحد، أيضا بات التعامل مع المواقع أفضل للكاتب، وذلك لارتفاع ثمن الكتب والمطبوعات فبات يروّج لكتبه بنفسه أونلاين".
 
وعن الحلول لذلك الوضع، يقول: "لا بد أن يتوفر لدى القائم على المطبوعة الرغبة والإيمان التام بأن يقدم عملاً جاداً ومشوقاً، يراعى القارئ المستهدف، بالإضافة الى محاولة توفير السبل المختلف، لكي تصل هذه الرسالة لذلك المتلقي، وقد كانت لي تجربة منذ فترة قريبة لإصدار مطبوعة ثقافية وأمام ما نراه من حال متردية، بحثت عن حلول فوضعت أمامي أولويات، أولها كان الاهتمام بالمضمون، لتكوين همزة وصل بين المبدع العربي والمبدع المهاجر. 
 
الكلمات الدالة