الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

"لبنان الحقيقي مهما تأخّر جايي": أي دور للمثقفين في وجه الفساد والانحطاط السياسي؟

المصدر: "النهار"
روزيت فاضل @rosettefadel
Bookmark
"لبنان الحقيقي مهما تأخر جايي" (تعبيرية- تصوير نبيل إسماعيل).
"لبنان الحقيقي مهما تأخر جايي" (تعبيرية- تصوير نبيل إسماعيل).
A+ A-

 

 هذا السؤال ليس استفزازياً ولا عبثياً، بل هو طرح محق يتداوله البعض في مجالسهم الخاصة. يصبو هذا الموضوع إلى طرح دور المثقفين ومسؤوليتهم في ولادة "لبنان الجديد" في فجر مئويته الثانية، على بساط البحث، مع العلم أن الظروف الحالية قد لا تمهد بسهولة إلى طرح نسخة معدلة لفكر مونتسكيو المناهض لتدخل السلطات في السياسة والمنادي باحترام القوانين، أو حتى أن يفرض على الساحة الإعلامية شخصية مثقفة تشبه بمناقبيتها جرأة إميل زولا.

طرحت "النهار" دور المثقف في بناء لبنان على كل من الأديب والمؤلف الدكتور أمين ألبرت الريحاني، والكاتب والأستاذ الجامعي الدكتور خالد زيادة.

 

"طموحي الأكبر"

بدأ الريحاني مقاربته مشيراً إلىالنظرة الغربية لدور المثقفين، قال: "سُئِلَ الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان: ممن تتأثر التأثير الأكبر، كرئيس للجمهورية، من مختلف الشرائح الاجتماعية؟ فأجاب: من شريحة المثقفين".   

وانتقل إلى موقف الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، الذي سئل: ما الذي تصبو إليه كهدف أكبر، بعد وصولك إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية؟ أجاب: "طموحي الأكبر أن أصبح كاتبًا".

برأيه، "هذا النوع من الأجوبة يصدر من أعلى موقع في الدولة ليلقي الضوء على دور المثقفين في أوطانهم، خاصة إذا كان الوطن يعاني من أزمات متراكمة أو من "أمراض مزمنة" على غير صعيد، منها الفساد، والاقتصاد المتدهور، والسياسة غير الآبهة بالمواطن، أضف إليها الدولة الغائبة، والسيولة المفقودة، والجائحة "الفيروسية" القاتلة... كل ذلك في غياب رؤية مستقبلية لبناء وطن، ولنهضة اقتصادية واجتماعية ملحة".

الأخلاق

رداً على سؤال عن دور المثقف تجاه كل هذا الاهتراء وهذا الانحلال للدولة ومؤسساتها، عدد الريحاني أنه  "يمكن أن أرى دور المثقف موزعاً على أكثر من جبهة، منها: الجبهةالأخلاقية، والجبهة السياسية، والجبهة الاقتصادية الاجتماعية، ومع هذه جميعا الجبهة السلوكية".

فيما خص الجبهة الأخلاقية، رأى الريحاني أنها "سبّاقة لكل الدساتير والقوانين، فالرادع الأخلاقي يبقى الأقوى والأفعل. وغياب هذا الرادع يعرّض صاحبه لكثير من التصرفات الخاطئة التي، إن تمادت، تصل إلى حد فقدان الثقة بصاحبها".

"أضف إلى ذلك"، وفقاً له، "أن الرادع الأخلاقي يصون صاحبه ويعزز معنى تحمل المسؤولية في الشؤون الكبيرة والصغيرة على السواء".

قال: "الأخلاق سياج آمن للدولة وللمسؤولين فيها، وللمثقفين من حولهم، لأن قولهم هو القول الصحيح وتفكيرهم هو التفكير الصحيح، وفعلهم هو الفعل الصحيح".

"رئة التفكير"

وانتقل الريحاني إلى الجبهة السياسية، مشيراً إلى أنه "لا بد من التوقف عند مسألة الإحاطة الفكرية. المثقفون هم عقل المسؤولين، وهم "رئة" تفكيرهم، إذ لا بد للمسؤولين أن يسبروا، مع المثقفين، أغوار الأجوبة عن الطروحات السياسية المعاصرة التي تصل إلىحدود الخيارات الحديثة الممكنة بحيث تشكل الحلول المقترحة، والحلول الممكنة للخيارات الصعبة التي تواجهها الدولة لقاء العناوين الكبرى التي تحملنا على مواجهة الجدليات القادرة على التخطي والتجاوز".

قال: "من الأمثلة على ذلك:كثرَ الحديث أخيرًا حول مفردات رئيسة هي بمثابة المفاتيح لدولة المستقبل التي نبحث عنها: من هذه المفردات العناوين: العلمنة، الحياد، اللامركزية الموسّعة، استقلالية القضاء، الديموقراطية الفعلية (لا التوافقية)... على أن نبدأ بمحاربة الفساد، أي بقطع أوصاله، أي بالإصلاح الفعلي  فورًا... وهذه جميعًا تتطلب أولًا ورشة فكرية كبرى تقوم على النقاشات التفصيلية، التي تُطلبُ من جميع المثقفين المسؤولين وغير المسؤولين".

هدف بعيد المدى

أما الجبهة الاقتصادية والاجتماعية، فقد لفت إلى أن "هذا يتم أو يتفعّل انطلاقًا من أبسط المبادئ التي لا خلاف عليها، كالاقتصاد المنتج، أي تصنيع معظم القطاعات القابلة للإنتاج، كالصناعة الغذائية، والصناعة المعمارية، والصناعة السياحية، والصناعة الفنية، وصولًا إلىالصناعات المتوسطة الحجم والقدرات، كصناعة الإلكترونيات، وصناعة السيارات..."، مشيراًإلى أنها "جميعاً تستوجب التفكير الذي يؤدي إلى تصميم طريق الإنتاج، وتصميم المُنتَج وتسويقه. ومسألة التسويق تفتح أفقًا واسعًا لشبكات اتصال فعالة في قلب لبنان، وشبكات اتصال فعالة مع الخارج، بدءاً بمرفأ بيروت ومطار بيروت اللذين يجب أن يعاد بناؤهما على مستوى المنافسة الدولية، ومؤخرًا وجهت نقابة المهندسين نداء للبدء بوضع تصاميم عالمية لإعادة إعمار مرفأ بيروت الدولي...". قال: "هذه جميعاً تستوجب الكثير من التفكير الهندسي المعماري، والهندسي الاقتصادي والهندسي الاجتماعي. الهدف يجب أن يكون دائمًا هدفًا بعيد المدى، وهدفًا كبيرًا وهدفًا ثابتًا. معنى كلّ ذلك أن يتفضل المثقفون ليدلوا بدلوهم ويجيبوا عن السؤال الكبير: أي لبنان نريد في المئوية الثانية؟ أي لبنان نريد في مطلع القرن الحادي والعشرين؟".

بناء لبنان الجديد

وتحدث عن"الجبهة السلوكية"، مشيراً إلى أنه "مع كل هذه الورشة الكبرى يُنتظر من المثقفين أن يوزعوا مشاركتهم باتجاهين: عين على جبهة محددة في السياسة أو الاقتصاد أو محاربة الفساد... وعين على ضبط السلوك الوطني. فإيقاع هذا السلوك يبقى واحداً على كل الجبهات المذكورة أعلاه".

قال: "المثقفون اللبنانيون مدعوون قبل سواهم للمباشرة بهذه الورشة التي لا يمكن لها أن تنطلق قبل التمهيد لها بسلسلة من الإشكاليات والجدليات والفرضيات المكتوبة والتي تشكل القاعدة الصلبة لانطلاق ورشة بناء لبنان الجديد".

"لا جدال فيه"

في مقاربته، لفت زيـــادة إلى أنه "عادة ما يتردد الكلام عن دور المثقف وكأنه بديهية لا جدال فيها، وعادة ما نضع اللوم على المثقفين لعدم قيامهم بدورهم الافتراضي أو البديهي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى هناك تضخيم لأدوار لعبها المثقفون في مراحل تاريخية سابقة، مثل الكلام عن دور المثقفين (المفكرين) في الثورة الفرنسية وغيرها من الثورات".

قال: "يُضاف إلى ذلك البديهية التي تقول أو توحي بأن المثقف هو نفسه في كل الأزمنة والبلدان والتجارب التاريخية والمعاصرة".

فرنسية الأصل

وتوقف عند "فكرة المثقف"، مشيراً إلى أنها "فكرة فرنسية تعتبر أن ولادة المثقف جاءت مع مقالة أميل زولا في مجلة (الأورور) عام 1898، والتي حملت عنوان: "إني أتّهم"، أي أنه يتهم السلطة في قضية الضابط درايفوس، وقد أيده فيها من أُطلق عليهم اسم "مثقفين"، وأرى أن أصول هذه الفكرة في الفضاء الثقافي الفرنسي اللاتيني تعود إلى ما قبل مقالةأميل زولا. وتتعلق بنقد سلطة الكنيسة وبالتالي السلطة الملكية".

وشدد أنه "لا نجد شيئًا مماثلاً في الثقافة الأنكلوساكسونية، فرجل العلم والفيلسوف الانكليزي كان خادمًا للسلطة"، مشيراً إلى أنه "في الثقافة الألمانية، فإن الفلاسفة من فيخته إلى هيغل كانوا من بناة الفكرة القومية والدولة الألمانية".

سارتر... وفوكو

وانتقل زيادة إلى "ستينيات القرن العشرين، حيث  حمل المفكر والروائي الفرنسي جان بول سارتر فكرة المثقف الكوني غير الخاضع لأي سلطة والذي يحمل قضية الحرية الإنسانية"، مشيرا إلى أنه مع نهاية ستينيات القرن العشرين وخصوصًا مع ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، بدأت فكرة سارتر عن المثقف تتراجع، وكان المفكرون الفرنسيون هم الذين بادروا إلىنقد فكرة المثقف، يقول جيل دولوز: اكتشفنا عام 1968 أن الجماهير سبقت المثقفين في إدراك الواقع".

المثقف الكوني

وتوقف عند انتقاد "ميشال فوكو فكرة المثقف الكوني ويقول إن المثقف هو من يقوم بدوره النقدي في مجال عمله. ويتهم بيار بورديو المثقفين بأنهم من خلال النظام التعليمي يروجون لقيم النظام"، مشيراً إلى أن ريجيس دوبريه أعلن في أكثر من كتاب موت المثقف".

"الأنتلجنسيا"

وانتقل إلى "تعبير آخر أصبح اليوم أقل تداولاً وهو "الانتلجنسيا"، والتعبير ذو أصل روسي يشير إلى مجموعة من المثقفين المتأثرين بالثقافة الأوروبية، وعبر اللغة الفرنسية، التي كانت لغة الثقافة العالمية".

برأيه، "هذه الأنتلجنسيا كانت تحمل قيم التنوير الفرنسية". قال: "لعب مثقفون روس متأثرون بأفكار أوروبا الليبرالية ثم الاشتراكية دورًا في الثورات التي شهدتها روسيا (1905-1917). وقد عرفت الشعوب غير الأوروبية مثل الصين والهند ومصر وبلدان أميركا اللاتينية نخبة ثقافية متأثرة بالثقافة الأوروبية كان لها دورها في حركات التحرر الوطني".

التنوير

"لكن زمن التنوير انتهى وكذلك زمن حركات التحرر الوطني"، وفقاً له، "فأنظمة ما بعد الاستعمار، أوجدت مؤسساتها التي استعانت فيها بالمتعلمين (المثقفين) ووظفتهم في هذه المؤسسات بما في ذلك الجامعات ومعاهد التعليم ومعاهد البحث إذا وجدت، فضلاً عن المؤسسات الخاصة التي استخدمت المتعلمين الجامعيين، فهذا المتعلم ليس حرًا في قول ما يريد، وهو مرهون لهذه المؤسسات، مع الهامش الضيق المتروك له (ربما يكون الهامش أوسع قليلاً في هذا البلد أو ذاك، ومن ضمنها لبنان)".

قال: "من دون الدخول في التفاصيل، فإن هذا المتعلم أو الخبير أو الجامعي الذي نسميه "مثقف" هو جزء من مؤسسة، حتى تلك المؤسسات الحزبية التي تدّعي الثورة والتغيير وغير ذلك من المفردات".

دور المثقف

شدد على أنه "عادة ما أميز بين الوظيفة والدور، فقبل أن يكون للمثقف دور اجتماعي في التوعية والتربية على غرار ما كان عليه مثقفو القرن التاسع عشر أمثال بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق ورفاعة الطهطاوي، وقبل أن يكون للمثقف دور في التحرر الوطني على غرار صن يانت صن في الصين وسعد زغلول في مصر"، مشيراً إلى أن "المثقف صاحب وظيفة التي ينبغي ألا تُنسى لكثرة الكلام عن الدور".

دور الطائفية

"فالمثقف أو المتعلم هو أستاذ جامعي وكاتب وصحافي ومسرحي وفنان وخبير... الخ"، وفقاً له، "ويجدر أن يقوم بوظيفته ويحسن القيام بها كأولوية، وبذلك يكون قد قام بدوره الاجتماعي".

"أما مشكلتنا اليوم فقد تكون  ليس في غياب دور المثقف، ولكن في تخلي المثقف عن وظيفته، فانهار التعليم وتردّت الفنون وتورات وسائل الاعلام،وبالتالي فقد المثقف دوره". 

وختم قائلاً: "إذا أردنا أن نضيف كلمة عن "المثقف" في لبنان، فإن استسلام غالبيتهم لانتماءاتهم الطائفية البدائية، قد ألغت كل دور مفترض لهم في التنوير والإصلاح والتوعية".

[email protected]

Twitter:@rosettefadel

 

الكلمات الدالة