الإثنين - 14 حزيران 2021
بيروت 28 °

إعلان

"طفولتي شِعرٌ لا يشيب" لرشيد درباس: دروب مليئة بالدهشة

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.
A+ A-
لمّ رشيد درباس دربًا مشاها، من المهد حتى الشيخوخة الصالحة، ولفّها حول كركر خيطان مكانه حرز الذاكرة. كركرٌ نُسجت خيوطه بلون الفضاء والتراب، فكرّت إلى القارىء دهشة من ديوان "طفولتي شعر لا يشيب" مصبوغة بألوان الطبيعة والمطر والدّواة وأقواس قزح، مشبعة بماء البحر وقد ارتسمت عليها زهرة الملح الصافي.
 
ديوان ضمّ تسعة فصول من سيرة حياة، فارتحل المتصّفح معه شوقًا بين القرية ومدينة الفيحاء، النيل وأبي الهول، معهد الشرائع وعالم المحاكم، القضية التي أنجبها وعد بلفور ومقاعد الدراسة. فامتعض معه من درس العلوم وامتلكته الدهشة من براعته في لغة الضاد وعشقه لعلم القانون، وأصغى لحكايات المقاهي على لسان راوٍ متغاوٍ:
"أعْمَلَ القتل بأعناقِ البَطاريقِ
شِمالًا ويمينًا
ضاربًا ألفًا وألفَيْنِ
بِسَيفٍ مُصْلَتِ".
 
ليست كلّ الجهات في دياره غروب، ولم تغب الشمس ونورها والدفء، وعادت النشوة والبسمة والأمل الجميل مع الأحفاد. فالشمل ليَّنَ أسى الغروب القادم على مهل.
"إنَّني في كلِّ ما أكْتُبُهُ
قصَّرْتُ في البَوْحِ
فَحَسْبي...
أنَّني الفَرْدُ الّذي أصْبَحَ...
كلّا
كَيْفَ يَحْلو العَيْشُ إلَّا...
عِشْرةً في عَشْرةٍ... تَلْتَمُّ شَمْلا؟"
أحبّ قريته، فأصبحت كيانه وكلّ الرجاء، وكانت فجره ونبض الهناء، لكن الآن تناءى الزمان وعزّ اللقاء.
"شَعَّة القِنديلِ فيها
وَمْضةُ شَحّتْ... كَهَمْسْ
وَحْدَهُ الكانونُ ثرْثَارُ الشِّتاءْ
يَتَهَجَّى أحْرُفًا مِنْ كسْتَناءْ".
 
هنا تبدأ الحكاية والكلمات، وتتلى الصّلاة، فأنفاس الوالدة الطاهرة ترسم الجنان، عطرها يفوح الحنان. هي الأم في الحواس كلّما افترش المعنى كلمات من عذوبة شعر.
"إيهِ يا أمّي حَبيبَة
لَمْسَةٌ مِنْ ذَوْقِكِ العالي
أدامَتْ بُرْدَةَ النَّفْس... قشيبَةْ
وأدامَتْكِ... على الفراقِ المُرِّ
من قَلْبي قَريبَهْ".
 
 
 
 
هكذا كانت تنقضي الأعياد، رائحة محبّة في الساحات والمنازل والأزقّة. أمّا اليوم فأصبح العيد توّاقًا إلى مواعيد الحب والسهر، وأرجوحة لطفولة عابرة وقلوب بيضاء.
"قَرْيتي أعْيَادُها... طَبْلٌ وَزَمْرْ
سُكْرُها... مِنْ غًيرِ خَمْرْ
دَبْكَةٌ مِنْ حَوْلِ جًمْرْ
فَوْقَهُ... صَدْرُ كُنَافَهْ
حَسْبَ تَقْليدِ الضِّيافَهْ".
 
من يذكر شموخ التيوس، وفطام الجداء، وعشق الهضاب، واللبن الرائب، والجبن البلديّ والحليب الساخن شرابًا؟
"عَادَتِ الذِكْرى إلى سِجْنِ النَّظَرْ
كمَعَادِ الصَّحْوِ من كَأْسِ خَدَرْ
فَقَرَأْتُ الحَقْلَ... بالخَطِّ الخًصيبْ
وَشَمِمْتُ التُّرْب لمَّا عادَتِ القُطعانُ مِنْ رَعْيٍ
إلى قَبْوِ المسَاءْ
غَزَلَتْ مِنْ غَبْرَةِ السَّيْرِ وِشاحًا لِلْهَوَاءْ
بَلْبَلَتْ صَمْتَ المَغيبْ
بِتَواشِيحِ الثُّغَاءْ".
 
شاعر غسل البحر من خطايا الزبد المتناثر فوق الصخور العارية، فكان للمراكب صحوها الأنيق فوق شفاه الأفق الأرجواني. غزل لعشق المنازل كلمات من نبض شغف العيش، كصحو الحيّ حين نسجت له الشمس فجرها الزاهي.
"بَيْتُنَا صَارَ على أطْرافِ شَطّْ
مذْ ولَجْنا بابَه لم يَخْلُ قطّْ
من أقاصيصَ لِبَحْرِ
تكْتُبُ الرّيحُ عَلَيْهْ الموجَ خطًّا بعد خطّْ".
 
وسم الأهل ملامحهم البريئة الطاهرة حول جدران القلوب، ورحلوا، وقد تلمّسنا المعنى الآخر للجمال الإنساني في بحر الحنان. فقد كانت الأم تعجن حنانها حكايات حبّ ليغفو صغارها ملائكة على أعتاب الفجر وملاذ حضنها، وكان الأب حامي الدار من العدم والظلام، يتراقص الخير بجنى كفيّه المتشقّقتين بتعب السنين.
"أَبَوانَاّ
إنْ يَكونا قَدْ أَصَابا... مِنْ نَصيبِ العِلْمِ
مِقْدارًا قليلا
فَهُما مَنْ لقَّنانا رَوْنَقَ الحَرْفِ... صَحيحًا وعَليلا
وَهُما مَنْ رَوَيا.. مِنْ نُقْطَةِ الحِبرِ غَليلا
فاتَّخَذْنَا السَّطْرَ دَرْبًا وَدَليلا".
 
الشيخ طفل، وأطيب الشيوخ الذي قلبه طفل عاشق للحنين المتوهج. اختزل الشاعر العمر سائحًا على شواهد وأزمنة، فكانت معانيه إرتواء للشغف الداهم، واهبًا عمره المستريح غفوة طفل وضحكة بريئة خارج عفوية صغير.
"أيُّها الطِّفل الَّذي يَسْكُنُني
ضَاقت ثَمانيني على الوَهْمِ المُقيمِ
أَعِدِ الحُلْمَ إلى النَّومِ الحَميمِ
خَفِّفِ الرُّؤْيا
وَوَطْءَ الشِّعرِ عَنِّي
والخَيالاتِ الهَجِينَة...
كَيْفَ لي أنْ أُخْرِجَ النَّصَّ
مِنَ العَهْدِ القَديمِ؟
أم لَعَلِّي
سَوْفَ أبْقَى وَلَدًا يَلْهو...
فتَنْساه السَّفينة!".
 
لم يكسر الليل سوى نجمة حالمة، موعودة بشهب مغامر أفسح الدرب، حتى لا تتعرقل خطوات الحبيبة نحو دروب الشمس والأمل.
"حينَ صارَتْ زوجةً لي
ثمَّ اُمًّا للبنين
تَحْرُسُ البَيْتَ الأَمينْ
سَهِرَتْ... كَيْ يَسْهَرَ الضَّوْءُ...
مِنْ الكَعْبِ
إلى أَعْلَى الدًّرَجْ".
 
عندما ضبط مروان نجّار شيخًا جليلًا يدعى رشيد درباس، يركل الكوكب الأزرق بقدم طفلٍ، انتقى من شَيب شَعره وقارًا لمقدّمة ديوانه، فوصف شِعرًا لا يشيب، وعضلات لغة برع فيها الشّاعر من الدراسة إلى ما قبل المغيب. فتخصصت مقدّمته بمعالجة الواقع الموضوعي من زاوية المجال اللغوي وتفاعل الساكنين، واستوعبت مناخات فكر درباس الإنساني بين الطبيعة والعائلة والوطن والإحساس.
 
لازمت هذه المقدّمة التراث والفكر والصياغة، موحدة بين حلم الماضي وحياة الحاضر، فكانت إيقاعًا متوهجًا في حدِّها الأقصى لحيوية المعنى، فتواصلت تواصلًا رائعًا مع ديوان "طفولتي شِعرٌ لا يشيب" وفكر مؤلفه المغتبط بمصيره.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم