الثلاثاء - 11 أيار 2021
بيروت 26 °

إعلان

"حكي تنور" لعمر سعيد: الريف المكتوب بحبر الشوق

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
الغلاف.
الغلاف.
A+ A-
هل كتب عمر سعيد هذا الكمّ الكبير من الصور القرويّة المدوّنة في كتاب "حكي تنور" بسواد العين، أم بدماء سالت من عملية وهميّة لقطع حبل السرّة الموصول برحم الماضي، وبقيت المشيمة التي حوت البؤس، تنزف عرق الجبين مجبولاً بدم القلوب والألم المكتوم؟
 
كاتب سكنته عاصفة في اغترابه، وحملته إلى وطنه في زمن الوباء، مشدوداً بحبال الشّوق. صور الريف لم تهجره، ولو زار معالم الدنيا ومفاتنها، فهو لا يزال يعيش ذكرياته الصاخبة في غربته، يزور تنّور قريته البقاعيّة في أحلامه، ويستطيب طعم خبزه المرّ في يقظته. لم يغادر الطفولة والصّبا في الأمس الغابر، فكلّ قصّةٍ من الكتاب عاشها قبل أن يدوّنها حبر الأثير. وكلّ صورة منها انتزعها من صميمه وحشاشة قلبه، وستبقى رفيقة دربه وخياله وحاضره ومستقبله، إلى أن يطفئ الموت نور حدقاته بعد عمر طويل.
 
 
وأنت تقرأ "حكي تنور" تعيش مع الكاتب، وخاصّة إذا كنت ابن ريفٍ مثله، فقيمة كلّ أثر فنيٍّ في صوره. إنّه يسرق منك شغفك، لتهرول قراءةً إلى مسالكِ قريته الضّيّقة التي اتسعت لمخيّلته، وتتنشّق دخان تنّورها، لترتسم في مخيّلتك صور بارعة الرسم، صادقة العبارة. ربط عمر سعيد جمال البساطة في حياة الريف، بغبار سنينَ أرمدت العيون، ولم يتّسع مجال رؤيتها لأكثر من طول الأنف شعاعاً. كمربع ودائرة، لم يكن مناسباً ولا متناسقاً ما أراده من عِبَرٍ خلال السّرد، مع حياة ريفيّة قديمة، كبّلتها التقاليد، وسيطر عليها الخيال الجامح، الذي اعتمد الفكر أسطورة بعيداً عن الوعي. ظهرت خلاصات الكاتب لأسباب "التردّي من حولنا" في العمل الجماعيّ الروتينيّ لدى إنسان الريف.
 
فإيقاع الأفعال آنذاك، هو منظّم الجهل القائم بمقتضى التحضير الجماعيّ، ليجد أصوله في الجهد المشترك لاستمرار هذا الجهل الموروث، قبل أن يظهر أمثال عمر سعيد لتنظيم التأثيرات السلبية من الممارسات، وتوظيفها في مهمّة الرغبة في ما يمكن ويجب تحقيقه، "مثل هذا المجتمع لن يكون له غد، مهما حثّ السّير، لأنه مجتمع كالعملة المعدنية بوجهيها الطّرة والنقشة، لكنّها مجرد فكّة، لا تتجاوز بقدرتها الشرائية ثمن العلكة".
 
إنّ أدب الريف عند عمر سعيد ليس كتاباً مغلقاً، فأجيال الأرياف يحملون موبقاته ولا يهتمّون لما يرمي، غير آبهين لهذه الجماليات وبساطة السرد. فاستمرار الغباء الموروث عندهم لا علاقة له بالكتب، وهم بأغلبيتهم لا يعيشون الأدب برقيّه في مخيّلتهم، ليشكّل مِلكيّة جماعيّة على كلّ فرد أن يعرفها، إلّا من خلال الحكواتي الجاثم في أقبية التنانير في قراهم. المراوحة في البؤس تنبجس من المحادثات اليومية حتّى ولو حملوها معهم إلى اغترابهم، "ودخلوا المدينة دون أن يخلعوا من رؤوسهم حكي التّنور الذي فرّوا منه إليها".
 
كان الأجدى بالكاتب ألّا يقحم السياسة نقداً لأفعال حوادث الكتاب، ويترك جمال الوصف والسرد لممارسات غابرة ونقدها الواقعي الواعي البنّاء، فالسياسة في بلادنا نفايات مكتومة القيد، تلوّث الأدب والنقد والجمال والمجتمع، حتّى ولو كانت جميع نصوصه دالّة على سياسة تعتمد الوعي للإصلاح. فالذي ذُكر في أحد النصوص ولو تلميحاً، كان كثقب في جدار رُسمت عليه لوحة كتابية ولا أروع، فسالت من مداميك الجدار حروف الإبداع. لكن ذاك الثقب الذي لم يكن الحركة المناسبة في المكان المناسب، امتصّ جمال الكلام وفحوى المعنى كالثّقب الأسود في الفضاء، بغضّ النظر عمّا إذا طابقت غلّة فكر الكاتب بيدر الوعي في هذا المجال، "ورحت أفكّر في أمر قزمنا ذي الكلسون النّتن الذي يحلم أن يسود البلاد، ويختزل تاريخ الشهداء فيها! ملاحظة: استعارة الكلسون من كانديرا... حيث يرمز عنده للتاريخ".
 
"حكي تنور" من الكتب الجادّة التي سلّطت الضوء المنهجيّ على ممارسات الأرياف، بوصفه شكلاً خاصّاً من أشكال النّقد الهادف، الذي يميّز بين جمال الحياة الريفيّة ببساطتها، ومسبّباتها لاستمرار تخلّف المجتمعات. كما سلّط الضوء على أدب حديث في أدائه قديم في تصويره، يجمع روافد التجربة الإنسانيّة، وينتشلها من حيّز في ضيق الحياة من خلال ما تندرج فيه، لتتأثّر به الاتجاهات الفلسفيّة والأدبيّة المعاصرة، التي جعلت الغريزة المجتمعيّة المحور الأساسي للتطوّر البشريّ، بدلاً من أن تنظر إلى الإنسان بوصفه مجموعة عطاءات ملهمة وطرق عمل من أجل التّطور. لماذا يا عمر سعيد، جعلتنا نذرف دمعةً حائرةً في الأرجاء المنسيّة، دمعة لا تسقط في غياب سكان الديار الأبيّة، ولا تغفو منابعها دون دفء قلوبهم؟ لماذا يا عمر سعيد، جعلتنا منتصرين على ذواتنا، نداعب العمر طعنات متوالية على حواف الحسرات... ونبتسم... فتصبح الأعمار ثكلى مع حسابات العقل وأوهام العقلاء؟
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم