الأربعاء - 27 تشرين الأول 2021
بيروت 21 °

إعلان

بيروت في "أحفاد نوح" لأحمد علي الزين حيث "الكلّ ممثّلون وجمهور في آنٍ واحد"

المصدر: "النهار"
الكاتب والغلاف.
الكاتب والغلاف.
A+ A-

في رواية "أحفاد نوح" للروائي والاعلامي أحمد علي الزين الصادرة حديثاً عن دار "هاشيت-أنطوان"، نحن على موعد مع "شمس"، رسّام مسنّ فقد يده التي يرسم بها في الانفجار الذي استهدف موكب رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 وأدّى إلى اغتياله. طفلًا، كان قد عاش في كوبا. مراهقاً، عاش مع أمّه في بلدها لبنان، ليتنقّل بعدها في بلدان عديدة بين باريس وكندا و... قبل أن يعود إلى بيروت. يجلس يوميًا في مقهى في وسط بيروت متأمّلاً الحياة بتفاصيلها، ومستعيدًا قصصه الكثيرة عن تاريخه الشخصي المتقاطع مع تاريخ بلده. يطلعنا، من خلال قصصٍ عنه وعن آخرين، على رؤيته إلى الحياة والموت والغربة والعنف والحرب وتطوّرات المدينة التي عايشها سياسةً وتاريخًا وعمارةً وفنًّا...

فيما يلي مشهد يرصد فيه "شمس" يوميات بيروت من المقهى:

كنت جالسًا في المقهى الذي اعتدت الجلوس فيه وسط مدينة بيروت، بعد عودتي الأخيرة، وكان ذلك في صباح يوم خريفي من تلك الصباحات التي تلي ليالي ممطرة، والتي تبدو منسحبة من سياق الزمن ودورات الفصول، تحفّز شمسها المتسلّلة من بين غصون الشجر على الاستسلام لحالة من الكسل والتأمّل، ولها وقع خاصّ على النفس، يشبه تساقط أوراق شجر تشرين في باحة دار بعيدة على ساحل مدينة هافانا، في ثلاثينيات القرن العشرين، يوم كنت في الرابعة عشرة من عمري، تتهيّأ أمّي درّة للعودة إلى البلاد، على متن جنوى، الباخرة نفسها التي وُلدت فيها والتي انطلقت من هذا الميناء خريف عام 1926 وكادت تختفي في قاع المحيط. وجنوى هذه تحمل اسم عشيقة بحّار ماتت غرقًا قبالة الشواطئ الإيطالية، ولهذه حكاية أخرى.

كنت لا أعرف إلى أيّ بلاد سنعود؟ حتى هذا المعنى كان غامضًا بالنسبة إليّ. سألتها، قالت: "إلى قرية أمّي مشتى الجوز في لبنان". توضيحٌ دفع مخيّلتي في غموض آخر. كنت أتبعها بحقيبتي الصغيرة التي تحتوي على كلّ رسوماتي، وكان أخي يونس يبكي، لأنّه لم يستطع حمل كلّ سفنه الصغيرة التي كان يصنعها في الحديقة المجاورة للبيت المشرف على ميناء المدينة.

شعرت بشيء طيفيّ مثل ظلّ عبر الشارع الممتدّ نحو المرفأ. طيف عبرني، شعرت به، شممت رائحته الصنوبرية، تذكّر برائحة غابة تحيط بدير عتيق، في جواره لي أحبّة، وبيت مهجور...

لا بدّ من أنّه طيف أمّي درّة. يبدو أنّ الأمهات، حتى لو متن، يبقين يتفقّدن الأولاد، ولو كانوا في سني أعمارهم الأخيرة، وهم عجائز يبدّدون الوقت بحيل تراوغ الموت.

هذه حالة تصيبني بين حين وآخر كأنّها إشارات لشيء قادم.

سفينة أطلقت صوتها المحفور في قلبي مثل الندوب.

كنت في المقهى المطلّ على ميناء بيروت الذي غادرته جنينًا في رحم أمّي درّة إلى كوبا، أشرب قهوتي وأقرأ رواية "الإنجيل برواية يسوع المسيح" للبرتغالي جوزيه ساراماغو. وتلك عادتي، أن أنزوي في ركن خاصّ بي لأمارس طقوس عزلتي. أقرأ، أتأمّل المارّة، أخربش رسمًا بيدي السليمة، أحيانًا أرسم على صفحات الكتب. هذه صارت عادتي منذ سنوات، منذ استعدت بعض الرغبة في مزاولة الرسم، بعد أن فقدت يدي اليمنى في حادثة اغتيال الرئيس. أصل في التاسعة صباحًا من كلّ يوم، يأتيني النادل بكوب ماء مع ملعقة من خلّ التفاح، ثمّ بفنجان قهوة الإسبرسو من ماركة "إلي" الإيطالية، وعند الساعة الحادية عشرة والنصف يجلب لي كأسًا من النبيذ عنبه مزيج من المالبيك والميرلو، ينتمي إلى سلالة جيّدة ونبيلة من البوردو، مع صحن تصطفّ فيه مثلّثات صغيرة من الجبنة الفرنسية وحبّات الجوز. كنت أحبّ الجوز لكنّي أعاني من مضغه، لأسباب لوجستية، هذا ما كنت أقوله للنادل سمعان الذي يحفظ مواقيت زبائنه وعاداتهم وأمزجتهم. وسمعان هذا نحيل القامة، دائم الابتسامة، يخفي في عينيه شيئًا من العتب والحزن.

كلّ عيون أهل بلدي حزينة.

في الخارج، قبالة المقهى على زاوية الرصيف، تجلس تلك السيّدة دائمًا، يتمدّد بالقرب منها كلب من فصيلة كولدن رتريفر، ناعس العينين، حميم، حنون، ومطمئنّ، مطمئنّ لكونه برفقة صاحبته. هي لا تبدو متسوّلة تستعطي من العابرين، ولا تضع أمامها وعاءً لرمي النقود، كما يفعل متسوّل محترف، بل تأتي في توقيت مبكر، تجلس وتخرج من حقيبتها كتابًا، تقرأ تارة، وتتأمّل من في داخل المقهى تارة أخرى، أو تشرد في الفراغ حتى تبدو أنّها منحوتة للنحات مارينو مازاكور الذي صمّم تمثال الشهداء وسط ساحة المدينة، لما تَظهَر عليه من سكينة وهي تتأمّل البحر من تلك الزاوية تحت الشجرة الدهرية. ملامحها لم تكن غريبة، ملامح وجه أعرفه، جمال قديم لم يفلح الزمن في إفساده، ترك آثار عبوره فقط، وصبغ شعرها بالفضّي، وتماهى مع نظرتها العاتبة.

بدت لي هذه الحياة قاعة عرض هائلة لها داخل وخارج. بعضنا يتفرّج على بعض، الكلّ ممثّلون وجمهور في آن واحد...

أحمد علي الزين

روائيّ وإعلاميّ لبناني، وُلد عام 1955، عمل منذ أواخر السبعينيات في الصحافة اللبنانية والعربية حيث اشتهر بكتابة المقالة. كتب للعديد من الصحف اليومية والدورية اللبنانية والعربية. كتب وأنجز للإذاعة والتلفزيون الكثير من البرامج الدرامية والثقافية والسياسية والوثائقية، كما اقترن اسمه ووجهه الإعلاميان ببرنامج "روافد" الثقافي على تلفزيون العربية لسنوات. له عدّة أعمال روائية مثل "الطيّون"، روايته الأولى، ثمّ "خربة النواح" و"معبر الندم" وصولاً إلى "حافة النسيان" و"صحبة الطير".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم