الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

"النص الشعري وآليات القراءة" لفوزي عيسى: الناقد يصفع القصيدة

المصدر: "النهار"
الغلاف.
الغلاف.
A+ A-
يحيى عبد العظيم- شاعر وكاتب وصحافي وأكاديمي مصري

لم يعد النصُّ الشعريُّ استماعاً من أجل المتعة، ولا قراءة من أجل تمضية وقت فراغٍ؛ بل أصبح عبئاً تنوء به ذهنية المتلقّي، كما كان كبداً وعناء راسخاً رسوخ أُحدٍ على قريحة المبدع نفسه. هذه هي الصفعة التي وجهها الدكتور فوزي عيسى لكل متلقٍّ للشعر العربي: قديمه وجديده في مستهل كتابه: "النص الشعري وآليات القراءة"، مؤكداً أنّ النص الأدبي لم يعد "مجرّد واحة يلقي القارئ بجسده المنهك على عشبها طلبا للراحة والاسترخاء، بل أصبح همّاً يلازمه ويلاحقه فلا يستطيع الظفر بثماره إلا بعد لأيٍ، ولم يعد القارئ مجرد مستهلك للنص، بل أصبح منتجاً له، ومشاركاً فيه بصورة أو بأخرى".
 
هكذا يصدمك عيسى في صدر كتابه بهذه العين الناقدة، والبصيرة النافذة التي تغوص لتسبر أغوار النص الشعري غير محدّد الأعصر، ولا المشغول بكنه أعمال المبدع كلها؛ إنما يتوقف عند نص بعينه لكل شاعر؛ يتفحصه، وينظر ما يدق منه، وما يجل فيه من تراكيب وإشارات دلالية، وتشكلات أسلوبية تنماز بها قصيدة الشاعر عن تلك؛ يأخذنا الدكتور فوزي عيسى أستاذ الأدب العربي في كلية الآداب جامعة الإسكندرية إلى فضاءات الشعر، منفتحا على سماواته العلا من لدن عصره الجاهلي وحتى العصر الحديث؛ متحفّظاً على رهن النقد بالأسلوبية؛ لأنّ النصّ "يكون رهنا بخبرتهم ـ أي النقاد الأسلوبيين ـ اللغوية والأسلوبية، ولكنه فد يجيء في الغالب على حساب استحضار الأسس الجمالية مما يخلق نوعاً من عدم التوازن في معرفة النصّ اللغوية وغير اللغوية، وهو ما يمثل وضعا مقلقا للنقاد".
 
لكنّ فوزي عيسى لا يلبث أن يحسم هذه المسألة الشائكة؛ ليتوقف عند قاعدة جوهرية؛ كانت منطلق الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابيه: "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة"، وهي أن اللغة هي مبدأ الإبداع عموما ومعاده، والشعري على وجه الخصوص؛ مؤمنا "بحتمية دخول النص من بوابة اللغة، فالأدب في جوهره فنٌّ لُغَوِيٌّ، واللغة هي وسيلة الأديب كما أن الرخام أو البرونز أو الفلين هي مادة النحات".
 
وإذا كان العنوان هو عتبة النصّ في القصيدة الجديدة، فإنّ مطالع القصائد القديمة واستهلالاتها؛ تقوم مقام العنوان؛ إذ تمثل مدخلا؛ لا بدَّ من استئذانه حتى نلج إلى عمق النص الإبداعي ومدلولات الأساليب والتراكيب التي أصبحت أسلوبا مائزا لصاحب النص دون غيره من مجايليه ومعاصريه على السواء.
 
وإذا كان لكلّ نصّ شيفرته الخاصة التي تكون مفتتحاً من عتبته/عنوانه في الشعر الحديث، أو مستهل الأبيات/في النص القديم، فإنّ الناقد لا بدّ أن يكون مسلّحاً بكفاءاته اللغوية والأدبية سعيا إلى إثبات افتراضاته وتأكيدها من خلال النصّ، وذلك من طريق (الحفر في طبقات النص) بإبراز العلاقات المنطقية بين الدال والمدلول التي تتكون منها المستويات النحوية والصرفية والدلالية والإيقاعية التي "تتشابك وتتفاعل فيما بينها في علاقة جدلية؛ ينتج عنها مجموعة من الدلالات التي تتكامل، وتفضي إلى البؤرة الأصلية للنص".
 
وإذا كانت قناعة الدكتور فوزي عيسى بالدور المحوري للغة في استكناه النص، فإنّه لا ينكر أهمية ودور المناهج الأخرى في عملية قراءة النص وتشريحه وتفكيكه من خلال البنى الصوتية والإيقاعية والنحوية والصرفية والدلالية، وكل ما يأخذ بأيدينا نحو عوالم النص المختلفة، وبما يكشف مجاهله، ويفتح آفاق مراميه نحو الجديد الجديد، والبعيد البعيد الذي أنتجه هذا النص منضافا إلى كل مزية كان لمبدعه اليد الطولى في التماهي معها زماناً ومكاناً ودلالة وتشكيلاً وجمالاً معرفياً.
 
ولا يغفل أهمية القارئ المنتَجِ له هذا النص، فهو "القارئ الضمني عند إيزر"، والقارئ المقصود عن إرفين فلف"، و"القارئ المتميز عند ريفاتير"، و"القارئ العاف عند فش"، وهذه الأوصاف كلها "تدور في إطار الكفاءة اللغوية والأدبية" لمتلقي الأعمال الإبداعية بوجه عام.
 
***
 
يبدأ عيسى بقراءة أول هذه النصوص لحميد بن ثور الهلالي المتوفى 30 هـ أحد الشعراء المخضرمين بقصيدته الميمية في "ثنائية الضجيج والصدى"، وهي قصيدة طويلة على بحر الطويل تزيد على المئة بيت، حيث يستوقفنا اقتران نواح الحمامة بذهاب الربيع، وهو الدلالة الزمنية أو الشفرة التي تتمحور حولها التجربة، وتسلمنا إلى مفاتيح النص"؛ لينتقل بنا إلى قصيدة "لامية أخرى"، وعلى بحر الطويل لحميد بن ثور؛ ذلك البحر الذي يليق بالنواح والعويل والصراخ المؤذن بالنهاية المحتومة لكل حي على وجه هذه الأرض، يلفتنا مستهله لها بقوله مقسماً:
 
حلفت برب الراقصات إلى منىً رفيقا، ورب الواقفين على الجبلْ
 
فما بين "استدارة العاشق" عنوان القراءة، وبين هذا الاستهلال الطريف الغريب غير المعهود في الشعر القديم؛ كانت وقفة الدكتور فوزي عيسى في هذه القراءة النصية لهذه القصيدة وارفة الدلالات؛ باذخة المعاني لشاعر يحتاج إلى كثير درس، وعظيم وقوفٍ لسبر أغوار شعره، وإبراز قيمته الفنية والإبداعية بين شعراء عصره.
 
وبطريقة "الفلاش باك"؛ وبالتفاتة سريعة بعدسة الناقد يعود بنا إلى المسيب بن علس النصراني أحد الشعراء الجاهليين في قصيدة تدل على براعة الناقد الذي لا يقع إلا على غرر القصائد، وفرائد القلائد، فيقدم للقارئ رائيته البديعة والتي جاءت على إحدى صور بحر الكامل بموسيقاه العذبة وطرافة تراكيب القصدية في بدئها وختامها.
 
ومن التنقل بين الأعشى، والمخبل، والمرقش، وكعب الغنوي، والسموأل، والشنفرى، والصمة القشيري، ورائية عمر بن أبي ربيعة ودلالات الماء، ومواجهة السواد والبياض عند أبي العلاء المعري، ويتيمة ابن زريق، يتوقف بنا الدكتور فوزي عيسى عند عاشق ولادة/ابن زيدون في نونيته الشهيرة التي تعد علامة فارقة ليس في الشعر الأندلسي فحسب، بل في الشعر العربي كله، فما بين الإيجاب والسلب، والقبول والنفور بين الوزير العاشق، والأميرة الولهى، تخرج لنا هذه النونية على بحر البسيط، متخذة ـ حسب اصطلاح عيسى ـ من "التضاد التعبيري" منهجا لها؛ يقوم على التضاد والمقابلة ما بين الماضي والحاضر، والقبول والنفور، والإيجاب والسلب؛ مؤكدا أن القصيدة كلها جاءت في دفقة شعورية واحدة؛ اتسمت بالترابط المعنوي والتلاحم في شتى عناصرها نحوياً ودلالياً وجمالياً.
 
وما بين الجبل/الإنسان، ومناجاة القمر، والغريبة عند ابن خفاجة، يأخذنا في نقلة نوعية من الأندلس إلى تونس الخضراء؛ متوقفا في هيكل الحب، وصلوات أبي القاسم الشابي التي تقترن فيها حركة المحبوبة "بالإيقاع والموسيقى، وتنعكس هذه الحركة الإيقاعية على الذات العاشقة المولعة بالجمال والموسيقى حتى تصير حياتها رهنا بهذه الحركة، فتتحوّل دلالات الجمود إلى النقيض"، كأنما يزاوج هو بعين الناقد ما بين جمال الأندلس، وجمال تونس في هذه القصيدة التي جاءت على بحر الخفيف بما يزاوج بين ترانيم الروح، وتهاويم النفس الإنسانية في نسق متراتب متراكب ما بين روح الشاعر/الشابي، ونقاء الناقد/فوزي عيسى.
 
وما بين صلاح عبد الصبور، و"الإبحار في الذاكرة"، و"طردية" أحمد عبد المعطي حجازي، و"مهرة الحلم" لمحمد عفيفي مطر، و"الطيور"، و"حديث الزهور" لأمل دنقل، يتوقف الدكتور فوزي عيسى عند "زهرة الأقحوان"، والعالم الدلالي لزهرة الأقحوان/القصيدة:
 
وحدها في البراري...
... يحاصرها الشوك...
... تأكل أحداقها زهرة الأقحوان...
 
في سرد شعريّ رائق للشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة؛ هذه الزهرة التي تمثل رمزاً "لكل ذات فارقت مكانها وزمانها المسكونين بالجمال والدفء والبهجة، وسيقت إلى زمان ومكان آخرين؛ يضجان بالجمود والقيود والجهام والقبح.
 
ويختم هذه السباحة والسياحة بقصيدة للشاعر السعودي عبد الله الصيخان، والتي تحمل عنوان: "فضة تتعلم الرسم"، "حيث تؤتي الغواية ثمارها، فتتأجج الجذوة الكامنة في الأعماق، وتتحول فضة إلى حصان جامح؛ ينشب حوافره في دماء العاشق، وهي صورة نابضة بالتأجج والاشتعال والاحتدام"، ذلك الاحتدام المشترك ما بين الشاعر والناقد؛ هو الذي يمثل الجذوة التي لا تنطفئ بين الروح المبدعة، والروح الشاعرة التي عايشناها على مدار كتاب كامل يتسم بالغواية النقدية؛ كتلك الغواية الشعرية التي دار في فلكها للدكتور فوزي عيسى. ذلك الكتاب الذي لو توقّفنا عنده؛ لاحتاج منا مساحة أكبر من تلك المساحة، ووقفة طويلة غير هذه الوقفة العجلى التي عرضنا له فيها.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم