الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

"الفقر وقصور التنمية في لبنان حالة محافظتي الجنوب والنبطية": السقوط وأحجار الدومينو

المصدر: "النهار"
غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.
A+ A-

 الدكتورة فاطمة عز الدين


   نظرًا لما يمثّله الفقر من مشكلة لها تداعيات اقتصادية واجتماعية على كافة الأفراد وعلى المجتمع بشكل عام وعلى مستوى تحقيق التنمية، وبالرغم من وجود العديد من الدراسات حول هذه الظاهرة، فإن دراسته تبقى على جانب كبير من الأهمية، لذا، جاءت دراستنا تحت عنوان "الفقر وقصور التنمية في لبنان حالة محافظتي الجنوب والنبطية"، وذلك بهدف وضع إطار عام لتحديد ظاهرة، والوقوف على تداعياته وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

   يتناول الكتاب مفاهيم ومؤشرات الفقر، وواقع حاله في لبنان وعوامله وانعكاساته، من خلال قصور التنمية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والمشاكل القطاعية في لبنان، فضلًا عن محدودية دور المجتمع المدني والانعكاسات الديموغرافية والصحيّة والتعليمية والثقافية على الأفراد والمجتمع والواقع الاجتماعي للأسر المقيمة في جنوب لبنان، الأوضاع المهنية، الخصائص السكانية، الوضع السكني، الواقع الصحي، التعليم والتسرب، المدرسة والأميّة، المشاركة السياسية والأنشطة الثقافية الترفيهية، وآراء أرباب الأسر في سياسات مواجهة الفقر.

 

   إن دراسة ظاهرة الفقر في لبنان مهمّة صعبة وغير مؤكدة دون وجود إحصاء شامل، كما أن تقدير حجم هذه الظاهرة مهمّة أكثر صعوبة وأقلّ دقة، حيث إنه لا توجد في لبنان سياسة خاصة بمكافحة الفقر، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتمدها الحكومة لتجعل الحد من الفقر هدفًا محددًا من أهدافها، وإن كانت في صدد إعادة النظر في هذا الأمر، حيث إن التعامل مع الفقر لا يتم على قاعدة كبح الأسباب والآليات المولّدة له، بل في معالجة النتائج أو التخفيض من وقعه، باعتباره حالة قائمة ينبغي التلطيف من سلبياتها، خاصة أن التعامل مع التمظهرات والأبعاد المختلفة لظاهرة الفقر هو مهمة طويلة الأجل.

 

   إنّ مراجعة تاريخ الأزمة في لبنان يبيّن أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة السياسات بحد ذاتها، وفي عدم اتساق هذه السياسات، فتحقيق الاستقرار النقدي والمالي يتم غالبًا على حساب النمو والتنمية وتلبية الحاجات العامة، وبتكلفة كبيرة جدًا. كما أن محاولات الإنماء التي أتت من هنا وهناك، بقيت شكلية وليس لها ارتباط بالواقع، فأثبت قصورها أمام التحديات الموجودة، هذا في ظل إهمال للقطاعات الإنتاجية والتباطؤ في تنفيذ المشاريع الإنمائية.

 

   بعد مرور 6 سنوات على إجراء الدراسة، نلاحظ أنه استمر تعاقب هذه الأزمات بالتزامن مع أوضاع إقليمية مشتعلة تأثر فيها لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر كالأوضاع في سوريا التي أدّت إلى ارتفاع أعداد النازحين، بحيث قاربت المليون نازح سوري مسجل لدى "المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين"، خاصة أن لبنان يشكل محوراً لإدارة أزمات المنطقة، فنجد الحصار الاقتصادي والعقوبات الاقتصادية والمالية، والتي ترجمت بشكل بارز في العام 2020 على بعض المصارف والقطاعات الاقتصادية والسياسيين...إلخ. بالتزامن مع تراجع تصنيفات وكالات التصنيف الدولية كوكالة "ستاندرد أند بورز" التي خفّضت التصنيف الائتماني للبنان في آب 2020 إلى فئة "التعثّر".

 

نسبة الفقر 2020:

   يعكس التقرير الصادر عن منظمة "الإسكوا" عن العام 2020 حال اللبنانيين بعد سلسلة الأزمات التي عصفت بالبلاد، حيث بات أكثر من 55% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر، وتضاعفت نسبة الفقر خلال العام الفائت 2020، بعدما كانت 28% في عام 2019، وارتفعت نسبة الذين يعانون الفقر المدقع ثلاثة أضعاف، من 8% إلى 23%. وهذا يعني عمليًا تآكل الطبقة الوسطى بشكل كبير، وانخفاض نسبة ذوي الدخل المتوسط إلى أقل من 40% من السكان". كذلك، فإن فئة الميسورين ليست بمنأى عن الصدمات، فقد تقلصت إلى ثلث حجمها هي أيضًا، من 15% في عام 2019 إلى 5% في عام 2020".

ويكتمل المشهد المظلم بتراجع قدرة مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن الاستمرار في تقديم خدماتها. وكذلك افتقار البرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقرًا إلى استدامة التمويل، الذي بات يغطي حاليًا فقط 43,000 أسرة وفق تقارير البنك الدولي. يتوزعون على المحافظات اللبنانية على النحو التالي: 41.4٪ في شمال لبنان، 29.6٪ في البقاع، 16.1٪ في جبل لبنان، 8.0٪ في جنوب لبنان، 4.5٪ في النبطية، 0.4٪ في بيروت.

 

البطالة والهجرة:

   خيبة الأمل تتجلى مع بروز مؤشر خطير، وهو البطالة التي باتت تشكّل ثلث القوى العاملة، وإفراغ لبنان من كفاءاته، بسبب الهجرة، في مسح القوى العاملة والأحوال المعيشية للأسر في لبنان 2018-2019 الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي، تبين أن معدل البطالة بين الشباب (15-24 سنة) 23.3%، أي أكثر من ضعف معدل البطالة العام (11.4%)، وكان أعلى بين الشباب الحاصلين على شهادة جامعية(%35.7) . ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية، تشير أرقام "الدولية للمعلومات" إلى أن "منذ منتصف كانون الثاني وحتى منتصف تشرين الثاني 2019 وصل عدد اللبنانيين الذين سافروا ولم يعودوا إلى 61,924 لبنانيًا مقارنة بــ 41,766 لبنانيًا خلال الفترة ذاتها من العام 2018.

 

المساعدات العينية والمادية:

   عندما يكون هناك ضعف في دور الدولة تجاه مواطنيها، تقوم مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والأفراد الميسورون بدور الدولة الرعائي عن طريق تقديم الخدمات والمساعدات الاجتماعية والاقتصادية، وذلك للتخفيف من حدة المعاناة والفقر وتحسين الأوضاع المعيشية. ففي دراستنا في العام 2014 كانت نسبة من يتلقون مساعدات هي 38% منها 32,7% مساعدات من قِبل مؤسسات أو تنظيمات حزبيّة وهي نسبة مرتفعة تعكس المحسوبيات والإنتماءات الحزبية، وهذا ما يحرم العديد من الأسر المحتاجة غير المنتمية للأحزاب من المساعدات.

 

خلاصة:

   للأسف، بدأ السقوط إلى الهاوية في لبنان يأخذ شكل أحجار الدومينو. منذ توقف الحرب الأهلية مع اتفاق الطائف حتى يومنا هذا، لم تحصل إصلاحات بنيوية في الإدارة والمرافق العامة بسبب الفساد والبيروقراطية والمحسوبيات الطائفية، في ظل قصور السياسات الاقتصادية والاجتماعية، كل ذلك أدى إلى وصول عتبة الدين حتى نهاية أيلول 2020 نحو 95 مليار دولار. واستتبع ذلك تصدع المنظومة المصرفية بسبب السياسات المصرفية الخاطئة، من ثم انهيار قيمة العملة الوطنية وتأثيرها على كل مفاصل حياة المواطن بسبب التضخم وانخفاض القدرة الشرائية، ترافق هذا مع ظهور الاحتجاجات الشعبية في العام 2019، التي راحت تطالب بمحاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة. ومع ظهور جائحة كورونا وما تراكم من خسائر اقتصادية ناتجة عن الإقفال القسري للبلاد والمؤسسات، بالإضافة لتوقف عدد كبير من العاملين عن العمل، فتراجعت الدورة الاقتصادية، وتباطأ الإنتاج. وعلى الصعيد الأمني حيث يسود الأمن الذاتي ومنطق الاستقواء واللادولة، ثمّ جاء انفجار المرفأ 4 آب 2020 ليعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين أكثر فأكثر. مجتمعيًا حيث لا عدالة اجتماعية، وتفلت أخلاقي وفوضى اجتماعية نتيجة الفقر والبطالة ورفع الدعم عن السلع الاستهلاكية الضرورية. إداريًا حيث يتفلت الموظفون من عقال الأنظمة والقوانين الضابطة لسير عملها وتتعزز الرشاوى والمحسوبيات أكثر وأكثر. صحيًا حيث لا مؤسسات ضامنة قادرة على التغطية وقطاع صحي متهاوٍ بفعل جائحة كورونا ووقف الدعم عن الدواء...

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم