الأربعاء - 25 تشرين الثاني 2020
بيروت 23 °

إعلان

الجونة دورةً رابعةً: The show must go on

المصدر: الجونة- "النهار"
هوفيك حبشيان
مونيكا بيللوتشي في "الرجل الذي باع ظهره"، فيلم افتتاح الدورة الرابعة من مهرجان الجونة.
مونيكا بيللوتشي في "الرجل الذي باع ظهره"، فيلم افتتاح الدورة الرابعة من مهرجان الجونة.
A+ A-
 
الجونة - هوفيك حبشيان 

في الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقةً مساءً، ليلة افتتاح الجونة دورةً رابعة يوم الجمعة الماضي، حملتني سيارة من الفندق إلى المسرح المفتوح. لفّ السائق بي لفّة كبيرة قبل الوصول إلى الموقع الباهر. اعتقدته من القاهرة ولا يعرف الطريق جيداً، لكنه طمأنني بأنه حفظها، الا ان هناك مدخلاً خاصاً لنوع السيارة التي يقودها. الأمن كان منتشراً بكثرة على امتداد الدرب المؤدي إلى الحفل، ومحطات عدة أشبه بحواجز سألت واستفهمت السائق عن وجهته.

الرحلة التي جاءت بي من بيروت، كانت غريبة بعض الشيء. شعور بالقفز في المجهول يرافق المرء وهو يخرج من باب بيته متوجهاً إلى المطار. هذه أول سفرة أقوم بها منذ مهرجان برلين السينمائي، الذي صادف ختامه مع بدء تفشّي وباء الكورونا في جميع أصقاع الأرض. بعد أكثر من سبعة أشهر من العزل المنزلي، كان مجرد الاقلاع بالطائرة هروباً، تحرراً، وارتقاء بالأزمة التي حسبتنا داخل الجدران. 

مطار بيروت الدولي كان شبه فارغ في ذلك الصباح الكئيب، الموظّفون مهذّبون على غير عادتهم. الاجراءات الروتينية الجديدة غير مربكة. ما دامت الكمّامة على وجهك (وإن من دون ان تغطي الأنف)، وفي جيبك ورقة من مختبر تؤكد بأن نتيجة فحص الـPCR سلبيٌ، فأنت في أمان وتستطيع رؤية الغيوم عن قرب. هذا هو الواقع الجديد المفروض على المسافرين. هَمٌّ زائدٌ أُضيف إلى سلسلة هموم التنقل من بلد إلى بلد، ولكن لا مجال للشكوى في هذه اللحظة. الأهم هو الخروج إلى حيث الفنّ السابع والبحر واللقاءات السينمائية التي انقطعنا عنها لنحو سبعة أشهر، أي منذ "برلين" الماضي الذي نفد بريشه، خلافاً لزميله الفرنسي كانّ. اللافت انه مهما تكن خطوات الوقاية، فكلّ شيء ينتهي عند الصعود إلى الطائرة. الركّاب يجلسون بعضهم "فوق" بعض، كما في زمن ما قبل الجائحة، وهو زمن بتنا نبلور حنيناً حياله، مهما بدا الأمر مستغرباً. 

في تمام السابعة وعشر دقائق، ركنت السيارة قبالة السجّادة الحمراء. بعضهم كان في داخل القاعة المفتوحة، وكثر كانوا في الباحة الخارجية يتبادلون أطراف الحديث. أخيراً، بعد انتظار طويل امتلأت الصالة بالمشاهدين. شعور بالارتياح ساد، وكأن الوباء أضحى خلفنا، علماً ان المهرجان لديه تعليمات صارمة من وزارة الصحّة المصرية عليه احترامها، و"الا يقفلونه"، كما سمعت مضيفة تقول لسيدة لا تلتزم ارتداء كمّامة على وجهها. 

مطرب لبناني افتتح "الجونة". غنّى "دقّي يا مزيكا". لم يكن حضوره أروع ما في هذه الأمسية. صراخه امتد إلى ما بعد السهرة في الباحة الخارجية. هيلدا خليفة، على نقيضه، كانت الشخص المناسب في المكان المناسب: كلّ كلمة من كلماتها وهي تقدّم الحفل بصوتها الهادئ، بدت محسوبة بدقّة. كان من الممكن ان يتحوّل الافتتاح بياناً تأسيسياً لسينما ما بعد كورونا. ولكن، للأسف، الوباء لا يزال هنا، يعشش في كلّ زاوية، يتربع على عرش موجته الثانية بكلّ فخر وثقة في الذات. لذا، كانت الأمسية للقول اننا مقاومون لا ناجون. وان ارادة البقاء أقوى من الخوف، والحياة مستمرة رغم كلّ شيء. باختصار: The show must go on. 

كلمة محافظ البحر الأحمر كانت طويلة أشبه بلزوم ما لا يلزم. مدح ووجّه تحيات مستعرضاً الانجازات في الحرب على الوباء. سميح ساويرس، أحد مؤسسي بلدة الجونة السياحية ومهرجانها الفتيّ، اعتذر من الذين لم يستطع المهرجان استضافتهم هذا العام بسبب ظروف الكوفيد-١٩. روى ان ٢٠٢٠ أسوأ عام مر به، فقد خلاله، شخصاً عزيزاً عليه هو المدير التنفيذي السابق لشركته، فقدّم تذكاراً لزوجته التي ألقت كلمة طويلة على نية الراحل. اسمه، خالد بشارة، أصبح جائزة تُمنَح في الجونة. 

تكريم الممثّل الفرنسي الكبير جيرار دوبارديو الذي تسلّم الجائزة من يديّ المخرج البريطاني بيتر ويبير، كان لحظة الذروة في الأمسية، رغم انه بدا الأسرع في اعتلاء الخشبة والنزول منها. قال كلمته في ثلاث دقائق ومشى من دون ان يلتفت إلى الخلف كعادته. ذمّ دوبارديو كانّ ("الكثير من الضجّة لأجل لا شيء")، وجامل مصر والنيل والمهرجان "الذي يدعم السينمائيين الشباب" وذكر يوسف شاهين. بدا مخموراً، بنطاله يكاد يصل إلى ركبته. تحدّث بالفرنسية لأنها "أسهل له". وقبل ان يشكر بأربع لغات (من بينها الروسية)، ختم كلامه بالقول: "هنا كانت الصحراء، والتاريخ العظيم لمصر، تاريخ لا نعرفه جيداً". 

غيره كُرِّموا ليلة الافتتاح: مصمم الديكور المصري أنسي أبو سيف الذي قال انه لا يجيد الكلام، فهو رجل رسم، هذا الرسم الذي يعتبره مطبخ السينما. ثم أهدى الجائزة التكريمية التي نالها لمعلّمه شادي عبد السلام الذي عمل واياه على "المومياء". فنّان آخر أُسنِدت إليه جائزة تكريمية: الممثّل المغربي سعيد التغماوي، الذي قُدًّم ببعض التفخيم والمبالغة. نُعِت بالـ"أيقونة". كلام لم يُقَل حتى في دوبارديو العظيم. لضرورات الوجود في مصر والحصول على جائزة تحمل اسمه، تحدّث التغماوي عن عمر الشريف. روى عشق أمّه لهذا الممثّل الذي لم يكن يحلم وهو فتى بأنه سيعمل واياه، إلى ان التقى به إلى طاولة القمار، ثم جمعهما فيلم "هيدالغو" لجو جونستون، وكانت بداية صداقة تذكّرها وتكلّم عنها بشغف وحماسة. 

اختُتم الحفل باستعراض لفرقة رضا للفنون الشعبية، في لفتة تذكارية لمؤسسها الراحل محمود رضا، الذي توفى في تموز الماضي عن ٩٠ عاماً. ابنته شيرين رضا تحدّثت عنه واستعادت علاقتها به. بعد ذلك، يا للأسف، ما ان بدأ فيلم الافتتاح المنتظر، "الرجل الذي باع ظهره" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، حتى انسحب ثلاثة أرباع الحضور من الصالة إلى الباحة الخارجية. تقديم المشروبات المبكر كان سبباً في ذلك، اذ جعل الكثيرين من غير المهتمين بالسينما يفضّلون الاسترخاء في الخارج على متابعة أحداث فيلم يحكي عن معاناة لاجئ سوري عاشق (نعود اليه في مقال مفصّل). لم يبقَ في الصالة أكثر من ١٠٠ شخص امتلكوا ما يكفي من الفضول للبقاء على كراسيهم. هذه مشكلة جادة، على ادارة "الجونة" معالجتها في الدورات المقبلة، لأنها تعبّر عن أزمة حقيقية حاصلة في المهرجانات العربية. 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم