الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 18 °

إعلان

"مضاجعة فاشلة أو بورنو مجنون" يفوز بـ"دبّ" برلين: ضرب سينمائي تحت الحزام

المصدر: "النهار"
هوفيك حبشيان
"مضاجعة فاشلة أو بورنو مجنون" الفائز بـ"دبّ" برلين.
"مضاجعة فاشلة أو بورنو مجنون" الفائز بـ"دبّ" برلين.
A+ A-
منذ عنوانه، نلمس في "مضاجعة فاشلة أو بورنو مجنون" للروماني رادو جود، شيئاً ممّا نتوقعه، خصوصاً اذا كان الواحد منا مطلعاً على أعمال المخرج السابقة. ومع ذلك لا يزال يفاجئ. هذا فيلم عُرض في مسابقة مهرجان برلين (١-٥ الجاري) ونال اليوم جائزة "الدبّ الذهب" في دورة أقيمت "أونلاين"، ويمكن القول ان مشاهدته توفّر بعض المتعة التي، اذا حدثت، لا يمكن انكارها. من جهة، أسعدني ان الفرجة المنزلية لعروض البرليناله أتاحت لي العودة غير مرة إلى بعض المشاهد لمجرد الاستمتاع بها، ومن جهة أخرى، أدرك تماماً ان فرصة مشاركته مع المتفرجين قد فاتتني، وأعتقد انه كان نال نصيبه من القهقهة في عروض الصحافة الصباحية.
 

خلال محاكمة المدرّسة.


مع جديده الكوميدي هذا، يصعد جود درجة أو أكثر في مقياس الاستفزاز الذي أخذ يتطور عنده منذ فترة. في آخر فيلم شاهدته له، "لا أكترث اذا دخلنا التاريخ باعتبارنا برابرة"، نبش جود في التاريخ الروماني الذي ينكره أحفاد مَن صنعه، من خلال متابعة الاستعدادات التي تجريها مخرجة لتقديم عرض كبير في احدى ساحات المدينة عن مجزرة أوديسّا (١٩٤١)، وهي تسعى في خطابها إلى وضع الأصبع على بعض الحقائق عن فصل أسود من تاريخ رومانيا لطالما سعت السلطات إلى اخفائها: تورّط بلادها في قتل ليس أقل من ٣٠ ألف يهودي في أوديسّا خلال الحرب العالمية الثانية تحت حكم الماريشال الطاغية أنتونيسكو. تحاول مارين إخراج حقائق إلى الضوء وتكريسها شعبياً، وهي حقائق لا تزال علاقة الرومانيين بها تتراوح بين النكران الكلّي والنسيان الجزئي.

في هذا العمل الجدلي الجديد، جود الذي يمنح الانطباع بأنه يحركش في وكر دبابير، لا يزال في تلك الساحة التي كانت تقف فيها مخرجة العرض التاريخي الكبير لتحاجج زمرة من الوطنيين والشوفينيين والتحريفيين. كأن رادو جود أضحى مارين لكن من خلف الكاميرا. مع الفرق ان لا مكان للديبلوماسية هنا، بل هدم كامل لمسلمات مجتمع، بكلّ ما يملكه من سخرية ونقد لاذع وجنون وجرأة. وفي هذا المجال يمكن التأكيد انه يتحرك بحرية، من دون أي اعتبارات تكبله.
 
كاتيا باسكاريو في دور الاستاذة.
 
الفيلم من ثلاثة فصول: نرى في الفصل الأول شريطاً جنسياً سجّلته مدرّسة (كاتيا باسكاريو) مع زوجها، ومن سوء حظها تم تسريبه إلى الإنترنت، وبات متاحاً على مواقع البورنو، محدثاً فضيحة مجلجلة في محيطها ومن حولها وداخل صفّها الدراسي، في بلاد ذات ميول طهرانية وفي مجتمع أرثوذكسي يدّعي الحفاظ على الأخلاق الحميدة.

نتعقّب المدرّسة وهي تمشي في شوارع المدينة. تعبر الطرق فالساحات وتعرج على هذا المكان أو ذاك، وأحياناً تتحدّث على الهاتف لمناقشة مشكلتها مع أحدهم. هذه المتتاليات تموضعنا في قلب العاصمة بوخارست، في نبضها اليومي، في زحام العابرين الذين يرتدون الأقنعة في ما يبدو واحدا من أوائل الأفلام التي صُوِّرت خلال الوباء. هذه اللقطات الطويلة والمتكررة مثيرة، تترك خلفها احساساً غريباً بالعفوية والطزاجة. اسلوبيتها تقطع مع حاضر السينما التي تغلب عليها السرعة. رادو جود متمهّل، لديه متسع الوقت ليؤسس لخطابه. يحرك الكاميرا بلا توقف؛ مسار الكاميرا عنده يشي بأنها أكثر من اداة لالتقاط الصور. بل انها تقيّم، تغمز وتوحي، وهي تلتفت شمالاً ويميناً في هذه المدينة الأشبه بسوبرماركت ضخم. مدينة هي في الحقيقة كتلة استهلاكية معلقة في الفراغ.

الجزء الثاني شيء يشبه الأنتولوجيا: تفكيك للمفاهيم في الثقافة الشعبية الرومانية. الكلمات والتعابير والمواقف كلها تصبح مادة للعب والسخرية. تجميع يكاد يطال كلّ المواضيع الجدلية. مقابل كلّ كلمة نكات، خبريات تاريخية، لقطات أرشيفية، كلها تطمح إلى فضح الرجعية السائدة في رومانيا الحالية، وذلك على المستويات كافة، من السياسة إلى الدين. خلطة تغلب عليها الصبغة الكارتونية، كوكتيل من الحقائق التي لا تصوّر المجتمع في أزهى عصوره وأفضل تجلياته. فنعلم مثلاً من جملة ما نعلمه ان ستة أطفال رومانيين من أصل عشرة، يتعرضون للعنف الأسري، وطبعاً تقع المعلومة في الفقرة المخصصة لـ"العائلة".
 

مع نهاية الجزء الثاني، يسود اعتقاد سريع عندنا بأننا رأينا كلّ شيء. لكن، في خيال الفيلم المزيد. يأتي الجزء الثالث، كمحاكمة شعبية، سياسية، أخلاقية، للمعلّمة وهي تجلس أمام الأهالي (في حضور ممثّلي العسكر والكنيسة) للدفاع عن نفسها ضد الاتهامات التي تطالها. ستكون وحيدة في مواجهة الأهالي واستهجانهم الرخيص، حائرة أمام اتهاماتهم بإفساد الأطفال. كيف تتجرأ على ممارسة الجنس وأمجاد البلاد التي لها شأن عظيم عند حراس الفضيلة والتاريخ، لم تُنقل بعد بحرفيتها إلى الأجيال الصاعدة؟

ألوان الباحة الخارجية للمدرسة حيث يدور الجزء الثالث، توحي بمحاكمة هزلية. في اي حال، ستكون مسرحاً لكلّ الأفكار البليدة والسمجة والرجعية التي جمعها رادو بثقافة المتضطلع من الشيء: هوموفوبيا، معاداة للسامية، شوفينية، مفاهيم لا تقيم وزناً للعصر الذي نعيش فيه، نقاشات لا يمكن ان تكون أي مدخل لشيء يجوز التعويل عليه. الهدف من هذه "المسرحية" كشف ازدواجية المعايير والنفاق الاجتماعي اللذين يغرق فيهما المجتمع الروماني المعاصر - ولا شك انه ليس الوحيد في ذلك.

يتقن رادو حرفة عدم السقوط في الجدية وهو يتكلّم عن أشياء جدية جداً. هذا هو الاسلوب بعينه. فيلمه ذروة في الكاريكاتور الاجتماعي والهجاء السياسي، يقنع بخياراته السردية والجمالية، ويفرض جنونه ولو انه يرتب لنفسه مكاناً متقدماً في سجل السينما الفجة التي لا تؤمن بالـNuance. هذه المرة يذهب أبعد من المرات السابقة، مختاراً المواجهة، وهذا يعني امكان الاذعان للخطابية أحياناً. لا يوجد شك اننا حيال نص سينمائي "متوحش" كما قالت عنه لجنة التحكيم البرلينية، يضرب من تحت الحزام، مستمتعاً في سره، وأغلب الظن انه سيفتتح السجال على نطاق واسع.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم