الأحد - 29 تشرين الثاني 2020
بيروت 17 °

إعلان

استقلال أم استغلال؟

المصدر: "النهار"
غسان حجار
غسان حجار @ghassanhajjar
استقلال أم استغلال؟ بريشة أرمان حمصي.
استقلال أم استغلال؟ بريشة أرمان حمصي.
A+ A-
 
تقرأ في كتاب استقلال لبنان لعام 1943 تفرح، تجرب تحزن. على رغم ان حدث الاستقلال لم يكن ثورة شعبية حقيقية، وبالكاد سقط شهيد، بل كان نتيجة تقاطعات دولية اقليمية، تجاوب معها الشارع اللبناني بكل اطيافه، فكان ان تحقق الاستقلال الواجب الرعاية والتنمية والتطوير، لتنتج منه دولة عصرية، مدنية، مواكبة لتطورات العالم، وايضا مواكبة للدولة التي كانت منتدبة (فرنسا) وقد تأثرنا بها ولم نلحق بركب التجديد لديها وتطوير نظامها. لكن شيئا من هذا لم يتحقق. ظل الاستقلال منقوصا بشدة، بل كاد يضيع في تعدد الانتماءات والولاءات والمحاور الاقليمية. وهو حاليا في الحضيض، حتى صار الاحتفال به معيبا ومخجلا في بلد عاصمته مدمرة ولا تحقيق حقيقا في انفجار المرفأ. بلد حكومته مستقيلة ولا يقوى على تأليف حكومة جديدة. بلد يشكو رئيسه باستمرار من عجزه عن القيام بأي تغيير. 
 
لبناننا حاليا في الوضع الاسوأ بتاريخه، سياسياً ومالياً واقتصادياً واجتماعياً. خسر انتماءه الوطني ووجهه العربي وعلاقاته مع الغرب، لا توجه شرقا ونجح، ولا امكن للفرس هضمه. الانتداب الفرنسي الذي صرنا نترحم على ايامه، عاد يمارس دوره كما قبل الاستقلال، وتحولت المبادرة الفرنسية خشبة الخلاص الوحيدة. حتى هذه لم يمسك بها اهل السلطة لتضارب مصالحهم وحساباتهم غير الوطنية اطلاقا. 
 
الوصاية لم تغب يوما رغم الانسحاب العسكري في العام 2005، اذ تستمر ادواتها بالترهيب، وفرض القرارات، وجر لبنان الى محورها الذي يبدل هويته وطبيعته ويخلق منه شبه بلد مأزوم. 
والاحتلال لا يزال يقبع على ارض لبنانية، ربما متنازع عليها مع سوريا. ولا يقوى لبنان رغم كل العنتريات على تحصيل حقوقه، في البر والبحر، رغم التبدل في موازين القوى ما بين الامس واليوم.
 
ولاءات اللبنانيين اكثر من ان تحصى، واغلبهم ينشد الحصول على جواز سفر اجنبي. السفراء يصولون ويجولون من دون اعتبار لاصول ديبلوماسية، ولدور مفترض لوزارة الخارجية. ومواكب الحماية والمرافقة المسلحة لا تتوقف عند حاجز يتبع وزارة الداخلية، وهي اكثر من ان تحصى لمسؤولين حزبيين ميليشويين من الصف العاشر لا يستأهلون في الواقع اكثر من السجن، لانهم غارقون في الفساد وفي مخالفة القوانين. والعشائر المتفلتة والخارجة على القانون منذ ما قبل الاستقلال، تشن الحروب الصغيرة، وتستخدم كل انواع القذائف،عند حصول خلاف عائلي. 
 
في ظل هذا المشهد المخزي، يتناطح اهل السلطة، كبيرهم وصغيرهم، وبكيدية واضحة، ووقاحة موصوفة، على تبادل التهم، والشتائم ايضا، محاولين التملص من مسؤولياتهم. يتسابقون في عرض خططهم الاصلاحية، ومشاريع القوانين المقترحة من قبلهم، وخططهم للكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم الالزامي، والاهتمام بالبيئة، وتنظيف الانهر والشواطىء، ودعم الصناعة والزراعة والتجارة والسياحة وغيرها من المشاريع التي تبقى حبرا على ورق، فيما خلافاتهم وصراعاتهم ومصالحهم، وايضا سرقاتهم وفسادهم وتغطيتهم الفاسدين، تمعن في اغراق الخزينة العامة بالعجوزات، وتضاعف الدين العام، وتفلس البلد. 
 
يقولون ان النظام بحاجة الى تغيير وتطوير، وهذا صحيح، لكن الطبقة السياسية الحالية ستظل تتصدى للتغيير نحو الافضل. يريدون تعديلات على قياسهم، كما في كل الانظمة التوتاليتارية. 
التدقيق المالي الجنائي ضروري، لكنه لن يحصل لانه يفضح سرقاتهم، ولن يسمحوا به. اعادة تنظيم القضاء ضرورة ملحة، لكن القضاء لن يتحول مستقلا لان السلطة السياسية لن تتخلى عن امساكها به خوفا من اخضاع اهلها للتحقيق والعقاب. 
 
لن يكون حل، ولن يكون استقلال، مع هذه الطبقة السياسية الفاسدة، ولن يكون انفراج مع هذا الالتصاق بالكراسي وتوارثها، الحل باستقالة هؤلاء جميعا، او بازاحتهم بالقوة، ولو بقوة خارجية، لان الاستقلال لن يتحقق معهم، وسيبقى استغلالا لكل ما بقي من خيرات وفرص... 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم