الثلاثاء - 24 تشرين الثاني 2020
بيروت 22 °

إعلان

​ إلى الرئيس المكلّف والفرنسيّين: أوعا الترقيع والرضوخ لسياسة الاستضعاف والاستقواء!

المصدر: "النهار"
عقل العويط
عقل العويط
لوحة لمنصور الهبر.
لوحة لمنصور الهبر.
A+ A-
 

وبعد، سأظلّ أندّد، وأفضح، وأعرّي، وأنكأ الجروح بنبلٍ وشرفٍ وكِبَر، وسأظلّ أكتب، وإنْ لم يعد للكتابة أيّ تأثيرٍ وفاعليّةٍ ومعنى. في زمن الوحوش هؤلاء، بالمسّاس سأظلّ أكتب، لكن المسّاس المُحبَّر بالصدق والفجيعة والأمل، إلى أنْ يطلع الفجر. ويجب – مهما طال الزمان – يجب أنْ يطلع هذا الفجر.
هذه مقدّمة لا بدّ منها. وبعد، صدِّقوني: عبثًا يضع الرئيس الفرنسيّ صدقيّته الدوليّة في الميزان، وينزل بثقله السياسيّ الكامل لـ"فرض" حكومةٍ مستقلّةٍ في لبنان. وعبثًا يطلب الفرنسيّون تنحّي الطبقة السياسيّة اللبنانيّة الحاكمة – وإنْ موقّتًا – من أجل أنْ يتسنّى لهم بطريقةٍ من الطرق، منع السفينة اللبنانيّة من الغرق.
فما دامت الطوائف والمذاهب لا تزال ترفع عقيرتها الاستنفاريّة العالية النبرة، وما دام الجميع يساوم، فلتسقط، والحال هذه، المبادرة الفرنسيّة بالضربة القاضية لا بالنقاط. 
 
يعلم الفرنسيّون أكثر من غيرهم بكثير، أنّ الترقيع لم يعد ينفع، وأن لا حلّ في لبنان باستمرار تجميل "نظام" التناهب والتقاسم والتحاصص الذي تمارسه الطوائف والمذاهب والعصابات. ولا حلّ لـ"دولة لبنان الكبير" إلّا بتغيير "نظام" التناهب والتقاسم والتحاصص هذا.
والحال هذه، فلتغرق هذه السفينة الخرِبة والمليئة بالثقوب، بمَن فيها، وما فيها، ما دام حكم الطوائف والمذاهب والعصابات هو الذي لا يزال يفرض نفسه على الداخل والخارج، وهو الذي يقرّر الأقدار والمصائر.
يطالب الثنائيّ الشيعيّ بأنْ يسمّي وزراءه بنفسه، وبأنْ يختار حقائبهم بنفسه، في حين أنّ نيّته المبيّتة – بل العلنيّة - فرض المثالثة، بحجّة الميثاقيّة. لماذا؟ وأيّ ميثاقيّة؟ مَن هو هذا الثنائيّ الشيعيّ، وبمَن يستقوي؟ هل هو الشيعة حقًّا، وهل هو كلّ الشيعة؟ أليس للشيعة وجودٌ إلّا من خلال الثنائيّ الشيعيّ هذا؟!
على سيرة استدعاء الميثاقيّة والمثالثة، فلتكن المثالثةُ – والحال هذه – مرابعةً. الدروز أيضًا وخصوصًا، هل يجب أنْ تحضر الميثاقيّة في غياب "توقيعهم" الميثاقيّ، بالمرابعة أو بمجلسٍ للشيوخ؟!
يدعو رئيس الجمهوريّة المسيحيّ إلى إجراء مشاوراتٍ مع الكتل النيابيّة بنفسه. بأيّ صفةٍ "دستوريّة" و"ميثاقيّة" تفعل هذا أيّها الرئيس؟ ولماذا؟ ألأنّ رئيس الحكومة السنّيّ المكلّف "قاصر" ومقصِّر عن إجراء ما يلزم في هذا الصدد؟ أم لأنّ الميثاقيّة يمكن الآن وهنا اغتنام خرقها وتمريغها، لأنّكَ متحصّنٌ بـ"تفاهم مار مخايل" مع "حزب الله" الشيعيّ؟
ثمّ، ثمّ تكرارًا: هل موقف رؤساء الحكومة السابقين (السنّة) الداعم علنًا لرئيس الحكومة (والموشوِش له سرًّا؟!) هو حقًّا صادقٌ وفعليٌّ ونزيهٌ ونظيفٌ، وليس للمناورة، أو لتفخيخ المبادرة برمّتها؟
للتذكير: لزوم استحضار زمن الاستقواء المسيحيّ، وبعده زمن الاستقواء السنّي، وما جرّه هذان الاستقواءان على لبنان واللبنانيّين من حروبٍ وخساراتٍ ومراراتٍ وويلات، لـ"وعظ" مَن يستقوي حاليًّا، إذا كان ثمّة مَن يتّعظ!
أخطأ الفرنسيّون عندما اعتقدوا أنّ في مقدورهم أخذ الأمور إلى نهاياتها السعيدة المرجوّة، على طريقة "رِجْل في البور ورِجْل في الفلاحة"، و"ضربة على الحافر وضربة على المسمار"، من خلال تنفيذ مفهوم "العصا والجزرة".
الطوائف والمذاهب لا تفهم بالطريقة الآنفة الذكر، ولا بهذا المفهوم. طريقتها الوحيدة ومفهومها الوحيد "أنا أو لا أحد"، و"من بعد حماري ما ينبت حشيش"، حيث كلّ طائفة – عندما تستقوي - تريد كلّ شيء، كلّ شيء، وإلّا – يقول قائلٌ باسمها – فليبلّط "الآخرون" البحر بحكومتهم الموعودة.
هذه الطوائف والمذاهب والعصابات لا يهمّها إلّا ذاتها الصغيرة، وإنْ يكن الثمن زوال لبنان الكبير.
لم أستسغ يومًا استقواء طائفةٍ على طائفة، ومذهبٍ على مذهب، فكيف أستسيغ الاستقواء بقوةٍ غير شرعيّةٍ من داخل، أو بقوّة قاهرةٍ، وصيّةٍ/ محتلّةٍ، من خارج؟!
في هذا اليوم تأكيدًا، أقول بصوتٍ عالٍ إنّي لا أستسيغ التدخّل الأجنبيّ مطلقًا، وإنْ كنتُ أرى في المبادرة الفرنسيّة بعضًا من بصيص. فكيف أستسيغ صلافة التدخّل الأميركيّ، بحروبه الدونكيشوتيّة، وبترغيباته، وبترهيباته، وبمصالحه، وبحساباته، وبصفقاته السافرة، مع إيران وسواها؟ وقبل ذلك مع السعوديّة وسواها؟!
أتذكّر البارجة "نيوجيرسي" من أيّام الحرب، وأضحك على الطوائف والمذاهب "الغاشية". وها أنا أرى أمامي مسلسل العقوبات، وأقهقه ساخرًا وعاليًا لا فقط ضاحكًا.
بعد زمنٍ قليل، ينتهي وقت العقوبات، ويحلّ وقت الصفقات والتسويات والحلول، وقد ينجم عنه شهرٌ من العسل الأميركي الإيرانيّ، ربّما على حساب لبنان. وهناك يكون البكاء اللبنانيّ وصريف الأسنان.
لبنان يزول، في حين أنّ الطوائف والمذاهب تريد العدد والمثالثة والمرابعة والميثاقيّة و"الدولة المدنيّة" (هل قلت الدولة المدنيّة، يا دولة الرئيس؟!) والتقسيم والكونفيديراليّة، وسوى ذلك من مشاريع قد تصل بالدول الكبرى (المجتمع الدوليّ) بعد أنْ يطفح الكيل، إلى حدّ الاستغناء عن وجود هذه العقبة المستعصية التي تدعى لبنان، أو دولة لبنان، أو دولة لبنان الكبير.
فتِّشوا عن حلٍّ جذريّ، لا هذا الحلّ. حلٌّ علمانيّ لا يستقوي فيه أحدٌ، ولا يُستضعَف فيه أحد.
كلامٌ أخير إلى رئيس الحكومة المكلّف، وإلى الفرنسيّين: أوعا الترقيع بالرضوخ لسياسة الاستضعاف والاستقواء!
[email protected]
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم