الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

أين أخطأت فرنسا في حساباتها ؟

المصدر: النهار
روزانا بومنصف
روزانا بومنصف
Bookmark
اين اخطأت فرنسا
اين اخطأت فرنسا
A+ A-
اعرب الرئيس الاميركي دونالد ترامب تزامنا مع توقيع اتفاق السلام بين كل من الامارات العربية المتحدة والبحرين مع اسرائيل عن امله بالتوصل الى اتفاق جديد مع ايران بعد الانتخابات الاميركية. هي كلمة مفتاح تعزز الانتظار كما التشدد الايراني في التسليم باي ورقة لديها قبل الجلوس الى طاولة التفاوض الذي سيكون ملحا مع ولاية جديدة للرئيس الاميركي دونالد ترامب لان ايران لن يمكنها انتظار ان تنتهي ولايته الثانية . والامر نفسه ينسحب بالنسبة اليها في حال وصول منافسه المرشح الديموقراطي جو بايدن الذي قد لا يفتح مع ايران كليا لكنه على الاقل قد يعود الى نوع تطبيعي وفق ما يصفه ديبلوماسي مخضرم. هذا يطاول تحديدا مآل المبادرة الفرنسية التي واجهت تحديا مفاده ان هناك من يمسك بالورقة اللبنانية امنيا وسياسيا ولا تهاون في شأنها عبر التشدد في موضوع وزارة المال باعتبارها رسالة " توازن" لن يتم تلزيمها لفرنسا ايا كان ما قدمته ل" حزب الله" بتمايزها في التعاطي معه او لاعتبارها انها تمثل حبل الانقاذ الاخير بالنسبة الى لبنان في انهياره المتسارع .وسواء تشكلت الحكومة ام لم تتشكل فان المبادرة الفرنسية اصيبت بالصميم على خلفية ان ديناميتها ضربت في الجدل على  شكل الحكومة اكان 14 او 24 وزيرا او التمسك بالمداورة او لا وتوزير المحاسيب ايضا فيما ان المبادرة كمنت قوتها في انها صفقة متكاملة يقبلها الافرقاء السياسيون ويسيرون بها الى ما يفترض انقاذ لبنان واللبنانيين لانها " حكومة مهمة" ولا اهمية لاي وزير او حقيبة من حيث المبدأ. فقدت المبادرة الفرنسية وهجها عبر التصعيد المقصود. والرسالة من وراء المماحكة حول الشكل ان المسار في ما تبقى من الرحلة مع فرنسا لن يكون سهلا في موضوع فرض الاصلاح الذي من شأن تحقيقه ضرب المصالح السياسية والاقتصادية للافرقاء السياسيين. فتشكيل الحكومة كما يقول الديبلوماسي المخضرم ليس نهاية في حد ذاتها بل الية للوصول الى نهاية ايجابية والرسالة السلبية بالنسبة الى فرنسا انها اذا لم تستطع انتزاع المداورة وتغيير سيطرة فريق على وزارة المال فاي تغيير اصلاحي اقتصادي وربما سياسي لاحق يمكن ان تحققه؟ وقد يكون الخطأ الاكبر لباريس انها راهنت على قدرتها على الفصل بين الاقتصاد والسياسة وفق ما بات معروفا في مواقف الرئيس ماكرون الذي حيد كل ما يطاول " حزب الله" او ما يطاول اجراء الانتخابات المبكرة فيما ان هناك من وظف العامل السياسي للدخول في الاقتصاد. والمثال الابرز على ذلك هو موقف الثنائي الشيعي المصر على الحصول على وزارة المال ومن دون اهمال الرسالة التي وجهت عبر تأمين زيارة اسماعيل هنية الى لبنان والمواقف التي اطلقها منه والتي أزعجت فرنسا كما سواها . 
ينقل عن سياسيين قولهم ان الثنائي الشيعي طلب من المسؤولين الفرنسيين التدخل لدى واشنطن من اجل وقف العقوبات الاميركية. ولكن المسؤولين الفرنسيين لم يتمكنوا من الوعد بذلك فكان الجواب وعلى ذمة هؤلاء السياسيين انه من الافضل التفاوض مع الاميركيين اذا.
وثمة جانب اخر من المبادرة الفرنسية المتعلقة بفصل الاقتصاد عن السياسة  غير ان التركيبة السياسية الداخلية عصية على التنازل عن مكتسباتها ومصالحها ومصادر تمويلها وهذه المقاربة لا تستطيع ان تؤمن دعما عربيا او اميركيا سيما في ظل التعهد الفرنسي بانعقاد مؤتمر من اجل مساعدة لبنان في تشرين الاول المقبل. ولا مؤتمر ناجحا محتملا من دون هؤلاء الافرقاء على خلفية ان كل المعطيات تشي بان اي تنازل لتأليف الحكومة يعني التسليم للحزب بسيطرته وتاليا لايران. وهذا ينهي المبادرة الفرنسية ككل ولكن المبدأ ان فصل الاقتصاد عن السياسي يعني عملانيا في قاموس هذه الدول تعويما لسيطرة ايران والحزب ليس الا. فما يريده هذا الفريق هو اعادة احياء تركيبة حكومة حسان دياب بخلاف رئيسها اذا رغب في الاستمرار انما مع فارق ان يعوم البلد اقتصاديا بناء على هذه الشروط ليس الا. وهذا ما يخشى انه سينتهي اليه الوضع حتى لو نجحت المساعي في ايجاد القطبة المخفية التي تتيح ولادة حكومة مصطفى اديب لان لا خطة واضحة او برنامجا باستثناء ما تم اعلانه ابان زيارة الرئيس ماكرون. 
اعتقدت باريس على الارجح انه تم توريطها من الاميركيين في لبنان ولكنها قد تكون راغبة ايضا في التورط من اجل انقاذ لبنان لما يعني بالنسبة اليها تاريخيا وفي المنطقة وفي خلفيتها انها تملك ورقة اساسية ومهمة هي انها وحدها القادرة على التواصل مع ايران ومع كل الافرقاء في لبنان، وانها سلفت كلا من ايران والحزب  موقفا متقدما ما يفترض ان يتم تقديم شيء لها في المقابل. ولذلك دخلت بمبادرتها  على الارجح بورقتين اساسيتين احداهما ان الفريق الذي يمكن ان يعرقل اي " حزب الله"  يطمئن اليها لانها الطرف الوحيد الذي يتحدث اليه  وانه مع فريق رئيس الجمهورية مأزوم وفي حاجة الى انقاذ عبر عملية اصلاحية ما يمكن ان يسهلها خصوصا ان باريس لم تربط الاصلاح بالمفهوم الاميركي له او تؤمن هي تغطية له. يضاف الى ذلك استقؤاها ربما بواقع انه اذا ابتعدت عن عملية انقاذ لبنان فان ليس من بديل منها . وهذا تفكير منطقي يفترض بافرقاء يعتمدون المنطق العمل بموجبه. لكن حسابات الحقل لم تطابق حسابات البيدر علما انه لا يمكن لباريس ان تتراجع ايا تكن المساومات التي ستوصل الى الحكومة . فهي معروفة ببراغماتيتها وتعرف لبنان لكن اللحظة الاقليمية التي تدخلت فيها بفعل انفجار المرفأ والكارثة التي حلت باللبنانيين فرضت عليها التوقيت الصعب لانها لم تكن لتتدخل بهذا الشكل لولا الانفجار. وهذه اللحظة الاقليمية صعبة سيما قبل اسابيع معدودة من موعد الانتخابات الاميركية ورهانات ايران عليها وفي حمأة صراع عربي ايراني كان التطبيع الاماراتي البحريني مع اسرائيل احد اوجهه ، وهو ما يجعل صعبا خطة ماكرون فصل السياسة عن الاقتصاد في انقاذ لبنان. 
في اي حال الخسارة الفعلية لن تكون لفرنسا بل هي للبنان واللبنانيين في شكل خاص لان الزعماء في عالم اخر.  

[email protected]