السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 29 °

عن تجربتي لقاء قرنة شهوان والمجمع البطريركي

المصدر: " ا ف ب"
سمير عبد الملك
Bookmark
عن تجربتي لقاء قرنة شهوان والمجمع البطريركي
عن تجربتي لقاء قرنة شهوان والمجمع البطريركي
A+ A-

هناك أشخاص، مهما كتبنا عنهم لا نستطيع إيفاءهم حقهم، والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير يأتي في مقدمتهم.

كان الراعي الصالح لجميع ابنائه، ونموذجا في العيش المتواضع وهو الذي رافق الحكام الزمنيين والروحيين، في لبنان والعالم، دون ان تُغريه مظاهر، او تُبدّل من سلوكه ومن قناعاته اغراءات. \r\n

وكانت جملته الشهيرة "ليس لبنان للموارنة، وإنما الموارنة للبنان"، ترجمةً لقناعاته بأن نعيش معا، متنوعين من حيث انتماءاتنا الروحية وإنما موحدين ومتساوين من حيث وطنيتنا. وهكذا نكون شهودا للمسيح في المحبة والتسامح والغفران وقبول الآخر المختلف والعمل خاصة على خدمة المهمشين والمضطهدين . وتسّنى لي ان أعيش خبرة خاصة بالقرب من غبطته، في مرحلتيْن من اهم المراحل التي مرت على وطننا، وذلك مع مجموعة من الأصدقاء جَمعَتنا نفس الهموم والنظرة والمواقف في تشخيص أزمتنا الوطنية وفي طريقة معالجتها بدءاً من ترميم سلم القيم والاخلاق الذي تعرض لتشوّهات كبيرة. \r\n

المرحلة الأولى، أسست لقيام لقاء قرنة شهوان عندما استضاف المطران يوسف بشارة، في مطرانية قرنة شهوان، في أواخر التسعينيات، مجموعة متنوعة من مختلف المناطق والمذاهب والتجارب والحساسيات السياسية، حول موضوع "هوية لبنان". \r\n

وبعد أشهر من الاجتماعات والمناقشات، صدرت وثيقة موقعّة من المشاركين، اعتبرها كبير من وطني هو المرحوم غسان تويني بانها تصلح لأن تكون "مانيفست للبنان". ثم فتح صفحات جريدة "النهار" لأشهر عدة لتلقي النقاشات والردود والدراسات، مما خلق دينامية ثقافية كان مجتمعنا في أشد الحاجة اليها. \r\n

وكان البطريرك صفير يواكب هذه الحركة، مطلعا على ادق تفاصيلها، ومشجعا على توسيع مساحات التلاقي بين ابناء الوطن الواحد، ومتحينا الفرصة لإطلاق انتفاضة الاستقلال لإستعادة سيادة لبنان وقراره الحر... وكان الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان في أيار ٢٠٠٠، المناسبة لإطلاقه، في الاول من أيلول، النداء الاول عن مجلس الاساقفة الكاثوليك، الذي طالب بتنفيذ اتفاق الطائف وخروج الجيش السوري من لبنان. وعلى أثر هذا النداء، اجتمعت المجموعة ذاتها التي واصلت اللقاءات مع المطران يوسف بشارة وقررت إطلاق لقاء سياسي يأخذ على عاتقه ترجمة مضمون هذا النداء وطنيا. وهكذا قام ما سُمي لاحقاً بلقاء قرنة شهوان، تحت عنوان " من أجل حوار وطني"... ترجمةً للشعار "بوحدتنا خلاصنا". \r\n

لقد رعى غبطته هذا اللقاء بحكمته وحنكته، وأوكل أمر استضافته الى المطران يوسف بشارة، رجل المهمات الصعبة، فاداره بحنكة وليونة وفعالية. \r\n

ويكفي ان اذكر، وللمرة الأولى، كيف عالج بحكمته الضغوط التي مارستها سلطة الوصاية السورية، على احد كبار السياسيين الذي يملك مصرفا تجاربا، عندما طلبت منه تنفيذ الحجز على عقارات أحد أعضاء اللقاء وبيعها بالمزاد العلني اذا لم ينسحب من اللقاء... فما كان من البطريرك صفير الا الطلب من هذا العضو التوقف عن حضور اجتماعات اللقاء حفاظا على كرامته وحماية له ولعائلته ولمصالحه... \r\n

والمرحلة الثانية كانت عندما شاركت في أعمال المجمع البطريركي الماروني، الذي انعقد بين ٢٠٠٤ و٢٠٠٦ برئاسة البطريرك صفير، وذلك في نص "الكنيسة والسياسة" الذي كان من اصعب النصوص نظرا لدقة الأوضاع التي كان يمر بها الوطن وللتمزق الذي اصاب نسيجه الاجتماعي. وما ازال اذكر جلسة التصويت على هذا النص، التي كانت برئاسة غبطته الذي ادار النقاش وصولا الى التصويت عليه ونيل ثقة المؤتمرين. \r\n

أهمية هذا النص انه يؤكد قناعة غبطته حول "دور لبنان" الذي يتأسس على تجربته المميزة في العيش المشترك الذي هو قدر اللبنانيين وخيارهم الحر. المسلمون كما المسيحيون خبروا العيش المشترك بحرية ومسؤولية على مدى قرون فكانت حقبات مضيئة لم تخلُ من الصعوبات. وأدت الحرب الاخيرة الى تحولات كبيرة في وعيهم لذاتهم ولوطنهم، وفي ان يكون لهم وطن حر ومستقل، يعيشوا فيه مختلفين من حيث الانتماء الديني، ومتساوين من حيث مواطنيتهم في دولة ديمقراطية مدنية حديثة. \r\n

وعمل البطريرك صفير من خلال مواعظه وزياراته الرعوية داخليا وخارجيا على ترسيخ هذه المفاهيم طالبا من الموارنة ان يكونوا ملح الأرض وان يشاركوا في السياسة لأنها شأن نبيل، لا تتعارض مع الأخلاق، بل هي الأخلاق، وان يشهدوا للقيم الإنجيلية القائمة على قيم الحرية ونشر روح الوفاق وسلوك طريق الحوار والتواصل والانفتاح والمحبة...\r\n

لقد شُبّه البطريرك صفير، بسبب صلابته في التمسك بالثوابت الوطنية وبالمبادىءوبالقيم الإنجيلية، "بمسمار الفولاذ" الذي لا يتراجع امام الصعوبات ولا ينحني امام المخاطر حتى يصل الى أهدافه بإيمان وعلم وثقة. \r\n

واليوم، يجتاز وطننا مرحلة من اصعب المراحل التي تهدد كيانه ودولته، من دون ان يكون لديه الحصانة التي وفرها له غبطته طوال تبوئه السدة البطريركية. \r\n

أيها البطريرك السادس والسبعون، ستبقى إنجازاتكم منارة تضيء لنا طريق الحق، وتقوّي من عزيمتنا عندما تشتّد علينا التحديات، وتُعطينا الإيمان لمواجهة سياسة التيئيس وقتل المعنويات، وتمّدُنا بالقوة لمواجهة حالة الاستسلام والخضوع والتدجين...\r\n

لقد طبعتم حياتنا الكنسية والوطنية بطابعكم الخاص طوال خمسة وعشرين سنة من خدمتكم الحبرية. لقد نقلتم وطننا من وطن يحتضر الى وطن يملك كل مقومات الحياة الكريمة. لقد اصبحتم جزءا أساسياً من ذاكرتنا الوطنية، التي ستتناقلها من جيل الى جيل لتبقى حية في كل واحد منا.\r\n

ان وطنا انجب من أمثال البطريرك صفير هو وطن قابل للحياة ولن تقوى عليه أبواب الجحيم.