الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

الانتخابات الرئاسيّة الأوكرانيّة... "عقاب" لبوروشنكو؟

المصدر: " ا ف ب"
جورج عيسى
Bookmark
A+ A-

دلالة نتائج المرحلة الأولى

تتماهى كلمات زيلنسكي الآتي من عالم التمثيل إلى حدّ كبير مع شعارات شبيهة رفعتها أحزاب شعبويّة وتتمحور حول فشل "النخب" في تحقيق تطلّعات الناخبين. في أوكرانيا، تتداخل السياسة والأوليغارشيّة إلى حدّ بعيد، حيث يمثّل بوروشنكو، قطب صناعة الشوكولا، وجهاً من وجوهها. وكان زيلنسكي قد طرح إشكاليّة هذا التداخل في مسلسله الشهير "خادم الشعب" الذي اختار اسمه كأحد أبرز الشعارات لحملته الانتخابيّة. \r\n

في السياق التنافسيّ، يمكن الأرقام التي حقّقها المرشّحان في المرحلة الأولى أن تقدّم فكرة عن حجم يأس الأوكرانيّين من "النخبة" التقليديّة. فزيلنسكي حصد حوالي 30% من الأصوات، وقد تخطّى بذلك الأرقام التي توقّعتها آخر استطلاعات الرأي حينها. وحصل بوروشنكو على 16% من الأصوات فقط. اللافت للنظر في تلك النتائج أيضاً أنّ زيلنسكي تفوّق على منافسه في اثنتين وعشرين منطقة من أصل خمس وعشرين.\r\n

الباحث في شؤون التنمية والاقتصاد الدوليّين في معهد "بروكينغز" سيرغي ألكسنشكو كتب أنّ هذه الأرقام طبيعيّة، حتى بالنسبة إلى سياسيّ من خارج النظام. فزيلنسكي يمثّل جيلاً من الأوكرانيّين أطلق مظاهرات ميدان، علماً أنّه لم يشارك فيها، حيث لم يستطع هذا الجيل أن يسمّي ممثّليه إلى الرئاسة أو البرلمان حيث أوصل 12 نائباً من أصل 450 مقعداً. \r\n

بالتالي، ذهبت ثمار الانتصار إلى السياسيّين الذين انتقلوا من منصب إلى آخر من دون أن ينجحوا في تحقيق إصلاحات سياسيّة واقتصاديّة مستدامة. وأشار ألكسنشكو إلى أنّ زيلنسكي ممثّل، لكنّه في الوقت نفسه، رجل أعمال ناجح بنى شركة عملت لخمسة عشر عاماً وهي تعدّ واحدة من أكبر الشركات الدافعة للضرائب من دون الوقوع في فضائح.

آمال في محلّها؟\r\n

كلّ هذه المزايا قد لا تقي زيلنسكي من التحوّل إلى سياسيّ تقليديّ في حال فوزه بالانتخابات، وألكسنشكو لا ينفي اصطدامه بصعوبات كبيرة من أجل ملاقاة طموح الأوكرانيّين. منذ الثورة البرتقاليّة سنة 2004 مروراً بمظاهرات ميدان بعد عقد من الزمن ووصولاً إلى الانتخابات الحاليّة، لا يزال الأوكرانيّون يواجهون صعوبات معيشيّة على الرغم من تحقيق بعض التقدّم السياسيّ والاقتصاديّ. لذلك، من المتوقّع أن تكون الآمال المعلّقة على زيلنسكي كبيرة جدّاً. \r\n

ذكر مراسل صحيفة "غارديان" البريطانيّة في كييف شون ووكر أنّه خلال عهد بوروشنكو تمّ إدخال عدد من الإصلاحات المهمّة وتمتّع المجتمع المدنيّ بمزيد من الزخم والحيويّة إضافة إلى تنوّع وسائل الإعلام. لكنّ ووكر أضاف أنّ نواحي عدّة من السياسات الأوكرانيّة لا تزال تعمل ب "الطريقة القديمة" حيث ينتشر الفساد في القضاء بشكل "مقلق" كما أنّ الأوليغارشيّين يستمرّون بالتمتّع بنفوذ واسع. وينقل عن ديبلوماسيّ غربيّ مقيم في كييف قوله: "إنّ حرّيّة بوروشنكو تمّ حدّها بتحالفاته وديونه السياسيّة". \r\n

لكن على الضفّة الأخرى، هنالك احتمال جدّيّ في ألّا يشكّل زيلنسكي البديل الفعليّ لبوروشنكو، إذ ينقل ووكر أيضاً أنّ عدداً من الشخصيّات المقرّبة جدّاً من الممثّل مرتبطة برجل الأعمال الذي يملك القنوات الإعلاميّة التي تبثّ برامج زيلنسكي. غير أنّ هذه "الثغرات" المحتملة قد لا تكفي لقلب ميزان التصويت.\r\n

يشير أندرو لانغلي في شبكة "بلومبيرغ" إلى مشكلة أساسيّة تواجه بوروشنكو وهي إخفاقه في اعتقال أيّ متورّط منذ إطلاق حملة مكافحة الفساد إضافة إلى أنّ موقع البلاد في هذا الإطار لم يتحسّن بالمستوى المأمول. فالناشطون في مجال تعزيز الشفافية يتعرّضون للمضايقة باستمرار وقد قُتل أحدهم خلال هجوم بمادّة الأسيد. وشكّل بروز اسمه في أوراق بنما نقطة سلبيّة بحق بوروشنكو.


بوروشنكو يحاول التعويض\r\n

يبدو أنّ الانتخابات ذاهبة غداً كي تكون استفتاء "ضدّ" بوروشنكو أكثر من كونها تنافساً بين برنامجين. يحاول الرئيس الأوكراني استمالة الناخبين بشعار "الجيش، اللغة، الإيمان" للتأكيد على تشدّده في الحرب ضدّ روسيا وتحصين بلاده في مواجهة نفوذها إضافة إلى دعمه استقلال الكنيسة الأوكرانيّة الأرثوذكسيّة عن بطريركيّة موسكو. وبالنسبة إلى الصراع مع روسيا، فقد أقام بوروشنكو مقارنة بين تاريخه في مجال النضال وتاريخ منافسه في مجال التمثيل. وأشار خلال المناظرة إلى أنّه في سنة 2014، قام رئيسٌ بإنقاذ أوكرانيا من اعتداء روسيّ، بينما كان ممثّل شاب يسخر من ذلك. \r\n

على الأرجح، إنّ تذرّع الرئيس الأوكرانيّ بالخبرة السياسيّة وحتى بما حقّقه في مواجهة روسيا لن يساعداه على مواجهة زيلنسكي بالرغم من توسيع خطواته الانتخابيّة الأسبوع الماضي. فقد عيّن عشرات القضاة الجدد دفعة واحدة لمكافحة الفساد والتقى بناشطين من المجتمع المدني ووعدهم بأن يكون مستمعاً أفضل في المستقبل لو أعطي فرصة ثانية للحكم. بذلك، يبدو أنّ الأوكرانيّين يفضّلون التجديد على مستوى الرئاسة حتى ولو كان الخصم لا يتمتّع ببرنامج انتخابيّ مفصّل.

بين "الخطر" و "العقاب"

يوم الجمعة، تغيّب زيلنسكي عن مناظرة ثانية كان من المفترض أن تُقام مساء. كذلك، تغيّب عن مناظرة سابقة في 14 نيسان الماضي. حينها، قال بوروشنكو الذي وقف إلى جانب المنصّة التي خُصّصت لزيلنسكي وقال: "لا يروق لي أن تكون الحملة الرئاسيّة في أوكرانيا أشبه بفيلم صامت". وفي حين أعلن أنّه سيحترم خيار الناخبين مهما كان، أضاف في الوقت نفسه أنّ مصير أوكرانيا سيكون "في خطر" لو حصل ذلك. وإذا أمكن هكذا غيابات أن ترفع مستوى التشكيك بقدرات زيلنسكي في ظروف عاديّة على التمتّع بدور قياديّ وازن لأوكرانيا، فإنّها لن تملك تأثيراً كبيراً ضمن أجواء باتت مناهضة بشكل كبير للممارسات السياسيّة التقليديّة.\r\n

تشير آخر استطلاعات الرأي التي قادتها مجموعة "رايتنغ" بين 12 و 16 نيسان إلى أنّ زيلنسكي حصد 73% من التأييد مقابل 27% لبوروشنكو. إنّ فوزاً بفارق يكاد يصل إلى ثلاثة أضعاف من الأصوات قد يؤكّد ما قاله زيلنسكي في المناظرة يوم أمس لبوروشنكو: "أنا لست خصمك السياسيّ. أنا حكمُ عقوبتك".

الكلمات الدالة