الجمعة - 25 أيلول 2020
بيروت 29 °

الكريم إذا جاع

المصدر: " ا ف ب"
عقل العويط
عقل العويط
A+ A-

سأفترض افتراضاً أن الكرام، كرام النفوس، ينامون في لبنان على جوع. وعلى ضيم. وعلى شعورٍ بالمهانة والذلّ. وأنهم يعضّون على الجروح. وأنهم على وشك الانفجار.

سأفترض افتراضاَ فحسب أن الكريم لن يستطيع أن يتحمّل أكثر مما يتحمّل.\r\n

علماً أن كلمة "افتراض" هنا، ليست مناسبة البتّة، ولا تعبّر عن الواقع الاجتماعي الاقتصادي الوجودي المهين والمرير والمعيب والمدمِّر.\r\n

وعليه، من واجب الكاتب الصريح أن ينبّه مَن لا يعير هذه المسألة انتباهاً، أن الكيل سيطفح بُعَيد قليل (إن لم يكن قد طفح فعلاً)، وأن عاقبة ذلك لن تكون في صالح أحد. وخصوصاً لن تكون في صالح مَن يجوّع الكريم، ويذلّه، ويسرق لقمة عيشه، ويجعله عرضةً لمدّ اليد والسؤال وطلب المساعدة. \r\n

المسألة سياسية – اقتصادية بالطبع، وبالتأكيد. لكنها ليست كذلك فحسب. إنها في الأساس مسألة أخلاقية قيمية معيارية. \r\n

أقصد مسألة قلّة أخلاق. بل انعدام أخلاق.

\r\n

أقصد أن الذين يتحكّمون بمفاصل حياتنا السياسية والاقتصادية والوطنية هم بلا ضمير.\r\n

الدولة المنهوبة ثمّة مَن ينهبها. \r\n

هي لا تُنتَهَب، ولا تفتقر، من تلقاء نفسها. \r\n

لا أستثني طرفاً، ولا فئة، ولا زعيماً، ولا حزباً. \r\n

هل يجوز ألاّ أستثني أحداً؟ ضميري مرتاح، إذ لا أستثني أحداً. لأن مَن يشارك في السلطة والمسؤولية، يتحمّل تبعة مشاركته، أكان سارقاً – بالمباشر – أم لم يكن.\r\n

جميع هؤلاء، ينهبون حياتنا وجيوبنا، ويسرقون سعادتنا، وهم ينهبون الدولة ويفقّرونها ويفرّغون خزينتها، ويراكمون دينها العام، ويلجأون إلى الضرائب الجائرة التي لا يسدّدها إلاّ الناس العاديون: الكرام. الكرام فقط. \r\n

وهؤلاء، هؤلاء الكرام، لا يملكون سوى رواتبهم وأجورهم التي باتت بلا قيمة شرائية.\r\n

هذا إذا دُفِعت وسُدِّدت. فكيف إذا كانت لا تُدفَع ولا تُسدَّد؟!\r\n

... وهذا إذا كانوا يعملون فعلاً، وليسوا عاطلين عن العمل.

\r\n

لا أمل في تركيبة السلطة الحالية، أكانت تشريعية أم تنفيذية أم قضائية.\r\n

لأنها عملانياً كالأوعية المتصلة، تدور في الحلقة المفرغة نفسها. \r\n

بدل أن تكون كلٌّ منها مستقلةً عن الأخرى، كما ينصّ عليه الدستور.\r\n

في ضوء هذه الكارثة المستشرية، وحده الضغط المنظّم، الديموقراطي، إذا أُحسِن القيام به، بصلابة، بعزم، بشجاعة، بفروسية، بعقلانية، وبمنهجية، من شأنه أن يحشر السلطة، أياً كانت، أسلطة رسمية، أم سلطة المؤسسات الخاصة.\r\n

هذا الضغط، يجب أن يحصل. فوراً. الآن. اليوم. ابتداءً من هذه اللحظة بالذات.

\r\n

نحن في حاجة إلى إعلان حال طوارئ مجتمعية، نقابية، مدنية، لإنجاز بنى هذا الضغط، وتأطيرها، وبلورة خطة عملها الضاغط.\r\n

الكريم إذا جاع، ليس أمامه، حين يُحشَر في مسألة الكرامة، سوى أن يكسر الطاولة على رؤوس المسؤولين المباشرين وغير المباشرين عن تجويعه وإذلاله.

أقول بالعربية التاريخية المقعرة: لقد بلغ السيل الزبى. أعني: لقد احترق دين الناس. لقد طلع دينهم، فباتوا عزّلاً، عراة، مرميين أمام أقدارهم المتوحشة، بلا سقف وبلا حصانة.\r\n

لم يعد الموضوع يتحمّل المواربة. \r\n

تنبيه بالأحمر: لا تجعلوا الكريم شحّاذاً على أبواب اللئام.\r\n

الكريم يجوع، عملياً، وواقعياً، وكلّ يوم.\r\n

فاحذروا صولة الكريم إذا جاع!\r\n


[email protected]

الكلمات الدالة