الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 28 °

كلينتون في أفريقيا لحظات ممتعة مع السياسة

المصدر: " ا ف ب"
Bookmark
كلينتون في أفريقيا لحظات ممتعة مع السياسة
كلينتون في أفريقيا لحظات ممتعة مع السياسة
A+ A-

لا اذكر متى كانت آخر مرة عشت لحظات ممتعة مع السياسة، مثل تلك اللحظات التي عشتها منذ ايام وانا اتابع رحلة الرئيس بيل كلينتون في دولة اتحاد جنوب افريقيا. كنت واحداً من قليلين -في غالب الظن - انتظروا بشغف هذه الرحلة الاميركية. اي الرحلة الى افريقيا وليس فقط الى اتحاد جنوب افريقيا، وباستثناء زيارات خاطفة قام بها رؤساء اميركيون سابقون لدولة او اخرى في افريقيا جنوب الصحراء، لم يحدث ان قام رئيس اميركي بجولة واسعة هكذا مثيرة للاهتمام والجدل الى هذا الحدّ. لم يكن غائباً عنا - في اي وقت- ضعف الاهتمام الاميركي، بل الاهمال الاميركي الطويل الامد بالقارة الافريقية، وحين اعترف كلينتون بالخطايا التي ارتكبتها الولايات المتحدة في علاقاتها بافريقيا، اذهلت المفاجأة بعض المحللين. ولم تكن المفاجأة في انه اعترف بحقيقة تاريخية معروفة، ولكن في ان الولايات المتحدة اقتربت، في شكل لم يسبق له مثيل من نقطة الاعتذار عن اعمال ارتكبتها، او اعمال لم تنفذها وكان يجب ان تنفذها. كانت رحلة كلينتون الافريقية شاقة بسبب حرارة الطقس، وعدد الدول التي شملتها وكثافة برامج الزيارات خصوصاً الزيارات الى مواقع شديدة البؤس ومواقع اخرى ما زالت شاهدة على فداحة المسؤولية الدولية بسبب الاهمال والاستهتار بالشعوب الافريقية. ثم ان الرحلة تمّت بينما الرئيس الاميركي وزوجته وبقية مرافقيه تتوزّع مشاعرهم ودواعي قلقهم وتوترهم بين جهود متواصلة، ومبالغ فيها احياناً، لانجاح الرحلة اعلامياً، ونقل هذا النجاح الى الرأي العام الاميركي، ونزيف مسلسل قصص حريم الرئيس الاميركي. فالمسلسل لم يتوقف وازداد عدد الممثلين واللاعبين فيه، واستمرّ انقسام المجتمع الاميركي واشتدّ هجوم السياسيين المعارضين وتعالت الاصوات الداعية الى تقديم الرئيس الاميركي الى المحاكمة لأنه كذب او لانه حرّض مواطنين على الكذب. خلال هذه الرحلة التي قادت كلينتون ليتعرّف على ابسط شعوب الدنيا اكتشف حجم النفاق الذي يخيّم على واشنطن. ففي افريقيا اعربوا عن اندهاشهم لهذه الحملة المسعورة التي تعرض لها الرئىس الاميركي من جانب السياسيين والاعلاميين في واشنطن. فالرئيس كلينتون بحسب منظومة القيم الافريقية انسان قبل ان يكون رئيساً، وحياته الخاصة ملك خاص له قبل ان تكون له حياة عامة ملك لكل الناس. وبين الثقافتين: ثقافة واشنطن وثقافة افريقيا جنوب الصحراء فجوة بالغة الاتساع. اذ بينما يفضل الافريقيون الوضوح في الحديث عن سلوكياتهم وممارساتهم الجنسية والعاطفية، يبذل السياسيون الاميركيون جهوداً لاخفاء هذه السلوكيات. بذلك تتحوّل هذه السلوكيات سلاحاً سياسياً، ليس الغرض منه تثبيت او اصلاح قيم اخلاقية في البيت الابيض او الكونغرس بقدر ما هو اضعاف هيبة الرئىس ورجل السياسة عموماً او ابتزازه لتحقيق اغراض اخرى لا علاقة لها بالسياسة او بالمصالح العليا للدولة. وعلى امتداد الرحلة تحدّث الرئيس الاميركي عن قيم كثيرة تريد اميركا ان تراها وقد اصبحت جزءاً من نسيج القيم الافريقية - وطرح برامج اقتصادية واطنب في الحديث عن شعار تجارة وليس مساعدة، وكان ناعماً - لكن حازماً - وهو يربط بين الاستثمار الاميركي وبرامج المعونة والاصلاح السياسي الداخلي. وقد سكت عن هذا رؤساء بعينهم، كلهم في حاجة الى رضى واشنطن العاصمة التي تجمع مراكز صنع القرار السياسي الاميركي وقرارات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لكن واحداً لم يسكت. لم يسكت لانه مختلف عن كل الباقين. الباقون بدأوا اصلاحات سياسية هشّة ولكن مطردة تعطي الانطباع بانهم على درب الديموقراطية التي تريدها اميركا سائرون. ولذلك لم يعترض كثيراً رئيس غانا ورئيس أوغندا، وقد سبق وصول كلينتون الى بلديهما حملة اعلامية لتسويق نظاميهما. فأوغندا فجأة، اصبحت نمراً افريقياً بفضل احصائيات مصطنعة لا علاقة لها بأي تحسّن وإن شكلي استفادت منه معظم فئات الشعب. مرة اخرى تحسب بعض الاستثمارات الخارجية في المصارف والعقارات وقطاع المواد الخام الذي تحتكره شركات اجنبية معروفة ومحدودة مع شخصيات سياسية في الحكم، تحسب كزيادة صافية في الدخل القومي. والهدف هو اقناع بقية حكام افريقيا انهم لو فتحوا اسواقهم بدون شروط ولا قيود لحصلوا على هذه السمعة الطيبة في واشنطن وفي اجهزة الاعلام الاميركية والدولية. لا يهم حقيقة - على عكس ما يزعم الرئىس كلينتون - ان الديموقراطية شرط ضروري للدعم الاميركي. فحاكم اوغندا ليس نموذجاً للحاكم الديموقراطي، ولن يكون. ولكن له اهمية كبرى لا تخفى على المطلعين على التطورات الاستراتيجية الدولية والاقليمية. فاوغندا تطل على البحيرات العظمى والسودان وغينيا، وهي مفتاح نهر النيل، اي ان تأثيرها يمكن ان يمتد الى مياه المتوسط إن شاءت اطراف خارجية او محلية احداث تخزين في مياه النيل وفي العلاقات بين الشعوب الافريقية. هذا المعيار المزدوج استخدمه كلينتون مرة اخرى حين قدم ما يشبه الدعم والتأييد للرئيس الجنرال الحاكم في نيجيريا. ونذكر خلال الاعوام الاخيرة الحملة الاميركية البريطانية التي تعرّض لها النظام العسكري الحاكم في نيجيريا، بل نذكر ان حصاراً اقتصادياً وسياسياً فرضته اميركا ودول الكومنولث على حكومة نيجيريا بسبب رفضها اجراء انتخابات ديموقراطية. هنا ايضاً تغيرت الاهمية الاستراتيجية لنيجيريا، وتالياً تغير الموقف الاميركي من الجنرال النيجيري، اذ قال الرئيس الاميركي ان بلاده على استعداد لتأييد هذا الجنرال لانه اعلن نيته ترشيح نفسه رئيساً لنيجيريا في انتخابات تجري قريباً. الآن اصبح الجنرال اباشا رجلاً مقبولاً. بل ان نيجيريا كلها استطاعت - بفضل هذا الجنرال وسياسته الاقليمية - ان تفرض نفسها الدولة الاقليمية "الاعظم" في غرب افريقيا. فنيجيريا تقوم الآن بمهمة حفظ السلام في غرب القارة تحت سمع وتسليح الولايات المتحدة والدول الاوروبية وبصرها وتأييدها. وتالياً لم يعد مهماً غياب الديموقراطية وطبيعة الحكم العسكري، المهم ان تكون في غرب افريقيا دولة افريقية قوية تتولى ادارة غرب القارة وممارسة ما يشبه "الاستعمار" المحلي في دول مجاورة معظمها مهدّد بالانفراط. كذلك اجتمع كلينتون وكابيلا، الزعيم المتهم بتكليف جنوده ذبح مئات الألوف من الروانديين خلال زحفه على كينشاسا، وهو منهم. والاتهام صادر من واشنطن، ولكن الكونغو - زائير لم تعد مستعمرة بلجيكية - فرنسية كما كانت تحت حكم موبوتو. الكونغو الان تخضع في شكل شبه كامل لادارة عدد من الشركات الاميركية التي تعاقدت مع كابيلا في بداية الحرب، وقبل ان يخطو نحو كينشاسا سوى خطوات معدودة. لم تعد الهيمنة الاقتصادية أمراً يثير غضب الحكام في العالم الثالث. فبعض الفتات المتخلف عن هذه الهيمنة كاف لاثراء هذه الشريحة الرقيقة جداً من نخبة العولمة الاقتصادية التي نشأت في معظم دول العالم. وهذا الامر يعرفه كلينتون معرفة جيدة. فقد سافر مصحوباً بعدد كبير من ممثلي الشركات الاميركية، وكانوا مصحوبين جميعاً، باحصائيات اصدرتها وزارة التجارة الاميركية قبل سفرهم بأيام. وتقول الاحصائيات ان اكبر عائد للاستثمارات الاميركية تحقّق في العامين الاخيرين كان في افريقيا حيث وصل الى 30 في المئة بينما كان العائد في الشرق الاوسط 17 في المئة واميركا اللاتينية 13 في المئة وآسيا 11 في المئة. معنى هذا ان افريقيا - ولفترة قصيرة - تعود ساحة للنهب الاعظم، كما كانت في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين. جاء الوفد مصحوباً باحصائيات، ولكن جاء ايضاً ومعه مشروع قانون يشتغل لاصداره الكونغرس الاميركي، وهو قانون الفرص في افريقيا. ببساطة شديدة، تعرض اميركا على افريقيا شركة اقتصادية تقتضي بأن تفتح دول افريقية ابوابها امام المنتجات والاستثمارات الاميركية بدون شرط ولا قيود، مقابل ان تفتح الولايات المتحدة اسواقها امام المنتجات الافريقية بدون قيود ولا شروط استثنائية. واقول استثنائىة لان افريقيا لا تنتج ولن تنتج في القريب العاجل سلعاً ومنتجات تراعي بالدقة المواصفات والشروط الاميركية للمنتجات المسموح استيرادها. بمعنى اخر، تفتح افريقيا ابوابها وحدودها وسمواتها لاميركا مقابل لا شيء. وتأتي الاستثمارات بدون شرط اي تأتي الى استخراج المادة الخام او انشاء مطعم "ماكدونالد"، وغير مسموح للدولة الافريقية ان توجه الاستثمارات الاميركية وجهة انتاجية. لذلك، واعود الآن الى اللحظات الممتعة التي عشتها مع السياسة. عشت مبهوراً اسمع نائب رئيس جمهورية جنوب افريقيا (مبيكي) يقول للرئيس كلينتون ان بلاده "لا توافق على السياسة الاميركية في افريقيا". ثم وقف مانديلا كفارس من فرسان الممالك الافريقية التي حكمت القارة قروناً ويرفض المؤرخون احياء سجلاتها وتاريخها. وقف الرجل الاسود يقول للرجل الابيض: ارفض ان تملي علينا شروطاً، سواء في السياسة او الاقتصاد. نحن شعوب وفية لاصدقائها. اوفياء للقذافي وكاسترو وايران لان كل هؤلاء وقفوا الى جانبنا عندما كنتم تقفون ضدنا. ولن نقبل شروطاً اقتصادية في التجارة تفقدنا السيادة وتعيدنا الى عصر الاستعمار. كانت فعلاً لحظة ممتعة خصوصاً وأن كلينتون لم يعلق بحرف عندما وجّه مانديلا كلامه الى بعض السياسيين عنده الذين يوافقون على املاءات كلينتون قائلاً اذهبوا الى البحر واشربوا منه. وكانت ايضاً لحظة ممتعة عندما عاد نائب مانديلا يقول لكلينتون "بالله عليك، كيف يمكن ان تكون دولة مثل بوركينا فاسو شريكة لاميركا وان تجري معها مفاوضات اقتصادية او تجارية على قدم المساواة؟  سؤال في صدور كثيرة، ولكن تردّده ألسنة قليلة، بمعنى آخر قد لا تتكرّر فرصة اخرى قبل وقت طويل نتمتّع فيها بلحظة سياسية ممتعة. 

الكلمات الدالة