الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 28 °

طفل من ذوي الحاجات الخاصة... خيارات الأهل

المصدر: " ا ف ب"
ليلي جرجس
ليلي جرجس
Bookmark
طفل من ذوي الحاجات الخاصة... خيارات الأهل
طفل من ذوي الحاجات الخاصة... خيارات الأهل
A+ A-

جنين ينمو في أحشائها، كانا ينتظرانه بفارغ الصبر، أحلام كثيرة وتوقعات أكبر. لكن ما كانت تُخفيه الصورة الصوتية حطمت كل شيء، اندثرت أحلامهما امام عيونهما بعد سماع الحقيقة الطبية الصعبة: ابنكما يعاني إعاقة. وضعا أمام مفترق طرق إما الإجهاض او الاحتفاظ به.

خيارات صعبة ومواقف أصعب، ليس سهلاً التعامل مع هذا الواقع، لكن كيف يمكن مساعدة الأهل في كلا الخيارين؟ وكيف نُجنبهم الشعور بالذنب وتحميل أنفسهم المسؤولية؟ كيف نساعدهم على ان يحبوا طفلهم كما هو ويساعدوه على الانخراط في المجتمع وان يكون مستقلاً بحياته قدر المستطاع؟

كيف يتلقى الأهل خبر الإعاقة؟

\r\n

تشرح المعالجة النفسية دانيل بيشون في حديثها لـ"النهار" ان "في لبنان لا يقتصر موضوع الإجهاض على الأهل وشعورهم بالذنب بل يطال الدين والقانون، حيث يمنع القانون كما رجال الدين خيار الإجهاض، ما يعني ان الاهل ليس لديهم خيار في الإجهاض، وغالباً ما يعيش الأهل سواء علموا بإعاقة طفلهم من خلال الصورة الصوتية او عند الولادة صدمة حقيقية وهذا ما نُسميه الجرح النرجسي. أحياناً كثيرة تشعر الأم ان ما جرى بسببها، وانها مخطئة او البحث في التاريخ العائلي بحثاً عن سبب جيني حتى نُحمّل الشريك سبب هذه النتيجة".

لذلك، بالنسبة الى بيشون "في مسألة الإعاقة تتعدد درجات الإعاقة والتعامل معها، عندما يولد الطفل بإعاقة على الأم ان تعيش الحداد على "الطفل الطبيعي" لتتأقلم مع طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة. اذاً، غالباً ما يفتقد الأهل الى التحضير والمتابعة اللازمة ما يجعلهم يحمون طفلهم بطريقة تتخطى المعقول دون ان يعلموه أنه يعاني من الإعاقة. لذلك تكون حمايتهم المفرطة نتيجة شعورهم بالذنب، لكن على الأهل ان يعرفوا ان الطفل الذي يعاني من إعاقة حادة تبقى هناك وسيلة للتواصل معه. لذلك كلما عرضنا هذا الطفل الى مواقف محبطة كلما وجد صعوبة في تطوير قدراته الأساسية. في الداخل هذا الطفل لديه مشاعر ويعرف جيدا من يحبه ومن يحضنه ويتقبله ومن يلبي حاجاته".

هل يمكن تخطي الشعور بالذنب؟

برأي بيشون "هنا تكمن المشكلة، لأن الأهل يلغون لغة العاطفة بينهم وبين طفلهم، هم يحاولون برمجة طفلهم الذي يعاني اعاقة حادة دون العودة اليه او سؤال عما يريده هو. يظن الوالدان ان طفلهما عاجز عن التعبير عن احتياجاته فيقرران عنه ظناً منهما انه غير قادر على التعبير".

اما بالنسبة الى الأهل الذين يتخذون قرار الإجهاض، ترى بيشون انه "بعد الفحوصات والصور التي تكشف تشوهات او اعاقة الجنين غير قابلة للعلاج، يتخذ الأهل قرار الإجهاض حتى لا يُصبح أشقاؤه او شقيقاته ضحية شقيق/ شقيقة لديه اعاقة وسيحملون اعباءه بعد وفاتهما. أسئلة كثيرة يطرحها الوالدان في وجود ابناء آخرين لهما، ويرفضان تحميلهم مسؤولية شقيقهم.

وفق بيشون "الأهل الذين يختارون إجهاض طفلهم يقررون ذلك من باب الكرم والحب وليس من باب الأنانية. يقومون بذلك نتيجة حبهم لأبنائهم ونتيجة حبهم له، لأنه لن يكون محاطاً ببيئة حاضنة وتعليم تربوي، هم محرومون من أدنى الأشياء. لذلك خوف الأهل على طفلهم ليس في الطفولة وانما في مرحلة المراهقة والنضج، والهاجس الوحيد يبقى من سيهتم به. لذلك يجد الوالدان نفسيهما بين خيارين: إما ادخار المال لدخول مركز متخصص بذوي الاحتياجات الخاصة او خيار الإجهاض، لأنهم لا يملكون المال لإعالته بطريقة صحيحة دون ان يكون عبئاً على أحد".

الإجهاض من باب الحب

اذاً، كما تشير بيشون الى انه "عندما يقرر الأهل الإجهاض يشعرون انهم خالفوا القانون والدين. بالنسبة اليّ لا ارى في ذلك انه فعل ضد الدين والقانون لأن الدين هو محبة وعطاء ونعمة وليس عقابا او رقابة. ان هذه المعتقدات من صنع رجال الدين وليس الله، الله لا يعاقب ولا يحاسب، وانما رجال الدين هم من أصدروا هذه الأحكام. لذلك عندما نقرر الإجهاض من باب الحب والخوف على باقي الأبناء فهو فعل حب وليس انانية. علينا ان نعرف ان فعل الإجهاض ليس سهلاً على الأهل، تجتاز الأم مرحلة صعبة للقيام به".

تعتبر المعالجة النفسية ان "في المجتمع اللبناني يبقى قرار الإجهاض سرياً وغير معلن عنه بالنسبة للأهل. لن يُشاركوا احداً به. ويعود السبب الى نظرة المجتمع لهم وتحميلهم هذا الذنب الذي يشعرون به أصلاً. قليلون من يلجأون الى معالج نفسي لمناقشة قرار الإجهاض او الحديث عنه، نحن في مجتمع ما زال يعتبر ذلك جرماً ومحرماً. حتى الأطباء يحمّلون الأهل ذنباً نتيجة قرار الإجهاض، حتى قرر بعض اطباء الأشعة اخفاء الحقيقة عن الأهل واتخذوا قرار ابقاء الطفل دون العودة او مصارحة الأهل بالحقيقة، وهذا جرم أكبر وأبشع".

قلة معرفة ومتابعة

\r\n

وتتابع بيشون حديثها قائلة "على الأهل الذين قاموا بالإجهاض ان يخضعوا لعلاج نفسي للتخلص من شعور الذنب ومساعدتهم على تخطي هذه المرحلة. الصعوبة الحقيقية تكمن في معرفة الأهل ان طفلهم يعاني من تأخر او اعاقة بعد سنتين او أكثر من ولادته. يجهل الأهل مفهوم الإعاقة وكيفية التعامل معها والمراحل التي سيجتازونها، هناك قلة ثقافة في هذه المسألة. هناك شريحة كبيرة في المجتمع اللبناني تجهل ما هو "التثلث الصبغي او trisomie" وتعدد درجاته. لذلك علينا ان نشرح للأهل ما هي هذه الإعاقة وكيف يمكن ان تتطور وكيف علينا التعامل معها".\r\n

نربي الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة على ان يبقى متعلقاً بأهله وغير مسؤول عن نفسه، اذ يبقى الطفل تابعاً لوالدته من كل النواحي العاطفية والاجتماعية والاقتصادية دون ان نساعده على القيام بالأمور بفرده. لذلك ننصح الأهل الذين قرروا الاحتفاظ بطفلهم ان يعرفوا ماذا ينتظرهم وكيف يمكن العمل معه ومساعدته على تطوير مهاراته وقدراته حسب وضعه.

شعور الرفض طبيعي

\r\n

تشدد بيشون على اهمية "ان يستشير الأهل معالجاً نفسياً عند معرفة اعاقة طفلهم قبل ولادته الذي سيساعدهم على التعامل مع هذا الواقع وما الذي ينتظرهم. الصدمة تكون أكبر عندما يكتشف الأهل اعاقة طفلهم بعد مرور سنتين او ثلاث سنوات على ولادته. هناك قلة معرفة ومصارحة في الطب، شريحة كبيرة من الأطفال حديثي الولادة المبكرة يعانون من امراض وصعوبات، نلاحظ اهمالا واستلشاقاً عند الأطباء في شرح كل المعطيات والاحتمالات الناتجة من الولادة المبكرة".\r\n

لا يُخفى على احد ان "شعور الرفض لا بدّ منه عندما يكتشف الأهل اعاقة طفلهم بعد سنوات من ولادته، وهذا شعور طبيعي. لكن سرعان ما يتقربون منه ويتقبلونه او نشهد على الطلاق بسبب الطفل. لذلك يجب على الأهل ان يعرفوا ان شعور الرفض ليس جرماً وانما شعور طبيعي نتيجة الصدمة، وعلينا ان نساعدهم لمعرفة كيفية الاهتمام به وإكتشاف الروابط العاطفية التي تعزز قدراته واحتياجاته".

الكلمات الدالة