الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 28 °

لبنان المستقلّ... هذا الحلم الكبير الّذي تمخّض طوال قرون

Bookmark
A+ A-

أرزة فوق جبل.

لم تكن مجرد صورة على غلاف كتاب من القرن السابع عشر، بل حلماً كبيراً استمرّ تمخضّه نحو 4 قرون، قبل أن يُصبِح وطناً اسمه لبنان. 11 محطة او حقبة زمنية على الأقل رسمت وجه لبنان وحدّدت مصيره، وفي كلٍّ منها ثورة صغيرة او كبيرة. موارنة من صلب الجبال والوديان حالمون بالحرية، دروز تائقون الى التغيير، سنّة وشيعة شكّلوا بيضة القبان في ساعة الحسم، و"مشوا في المشروع". "اللبنانيّون، على اختلاف فئاتهم، أرادوا استقلال لبنان بالفعل"، يؤكد استاذ التاريخ والمؤرخ الدكتور الياس القطّار لـ"النهار". \r\n

تاريخ مديد، حلم بكيان، بوطن، ثورات، عاميات شعبية، فلاحون ثائرون، ولاة وامراء، قمع وحروب ومجازر، انتداب ومعركة استقلال... في زحمة الشكوك، يجد القطّار ان "لبنان استقل في أوانه. لكن لدينا مشكلة هي ان المكونات اللبنانية تتأثر كثيرا بالتجاذبات الاقليمية... بما يبين انها ليست ناضجة". في الذكرى الـ75 لاستقلال لبنان، قراءة في محطات من التاريخ كوّنت بلداً وُلِد بعزم ابنائه، واستقلّ بتضامنهم معاً... لئلا ننسى.

الأرزة والشرارات الأولى\r\n

لم يكن استقلال لبنان مصادفة، او امرا "مفاجئا". عندما يبحث القطار في الأوراق اللبنانية، يرسم ما يشبه خريطة طريق قادت خطوطها وتعرجاتها الكثيرة الى محطة واحدة: استقلال 1943. "علينا ان نفهم أولا أنّ لبنان ضمّ جماعات مختلفة لم يكن مسارها التاريخي واحداً. صحيح أنّ السلطة كانت واحدة، سلطة الخلافة، ثم السلطنة العثمانية، غير أنّ الجماعات المكوِّنة للبنان لم تعرف التّطور الثقافي والاجتماعي نفسه"، على ما يشرح. \r\n

بحثٌ عن الشرارات الأولى للاستقلال، نبشٌ دقيق في التاريخ. لا شك في ان جماعة الموارنة خصوصا تثير اهتمام البحاثة والمؤرخين، لما كان لها من تأثير في تكوين لبنان. "هؤلاء انفتحوا على الغرب منذ القرن الخامس عشر"، على ما يوضح القطار، بما شكّل "انفتاحاً على ثقافة مغايرة للثقافة الشرعيّة الاسلاميّة". في ذلك القرن أيضاً، بدأت "تنشأ دولٌ خرجت من فلك الدولة المسيحيّة الواحدة. وبالتّالي تعرّف الموارنة في تلك الحقبة الزمنيّة إلى دول لها أنظمة غير دينيّة. وبدأوا يستوعبون قليلا". \r\n

عملية الاستيعاب المسيحي، "الماروني اولاً ثمّ الروم كاثوليكي"، نمت اكثر فأكثر مع "التوجه الى أوروبا للدراسة، بما شكّل احتكاكاً مباشراً بتلك المجتمعات الاوروبيّة، خصوصاً المجتمع الايطالي، وساهم في التعرف الى افكار جديدة، الى مفهوم يُدعَى الوطن". في المختبر الاوروبي، أمكن تذوّق معنى وطن مغاير كليًّا، وطن "خارج عن السلطنة العثمانية". وفيه ايضا، تكوَّن متخرجون، باحثون، مثقفون، مترجمون، مفكّرون... اتوا من هذه الأرض، من هذا الجبل. \r\n

من عاد منهم الى لبنان، أحضر معه "أفكارا" مختلفة، جديدة. في القرن السابع عشر تقريباً، يرصد القطار ما يسميه "أوّل تعبير عن أنّ امراً جديداً تكوّن". "بعد مئة عام على إنشاء المدرسة المارونيّة في روما (5 تموز 1584)، صدر كتاب يعرِّف بهؤلاء المتخرجين، وقد طُبِع على غلافه الخارجي جبل عليه أرزة. ليست صورة الأرزة التي نعرفها حاليًّا، لكنّها تبقى أرزة. وهذا يبيّن أنّ مفهوم الأرزة لم يولد ليلة الاستقلال عام 1943، بل منذ القرن السابع عشر". \r\n

يذهب الى أعمق، ليجد مفهوم الأرزة أيضا في الجذور الايمانيّة المارونيّة تحديداً، في "طلبة السيّدة العذراء" (يصلّيها المؤمنون الكاثوليك، وأيضا الموارنة، وأقرّها البابا سيكتوس الخامس عام 1587). ما يلاحظه هذا المؤرخ هو أنّ "جملة محدّدة غير موجودة في الأصل اللاتيني، أُدخِلَت إلى هذه الطلبة التي تعدّد صفات مريم العذراء، وهي يا أرزة لبنان تضرّعي من أجلنا".

ثورات، عاميات، قمع ومجازر\r\n

إلى جانب "أرزة لبنان" التي أخذت "تغزو" جماعة من اللبنانيّين، الموارنة في الدرجة الاولى، توالت وجوه ومحطات وحقبات تاريخيّة في القرون اللاحقة، ساهمت بدورها، في رأي القطار، في تخمير الاستقلال. \r\n

- الأمير فخر الدين (1572-1635) الذي نشأت في عهده "حيثية سياسية اقتصادية اجتماعية. وسعى الى خلق كيان لإمارة داخل السلطنة العثمانيّة، يتمتع باستقلال ذاتي، ومنفتح على الغرب والافكار الغربيّة. وللمرة الاولى في الشرق، تتم المساواة بين المسلمين والمسيحيّين، ويتمّ السماح للمسيحيّين بالمشاركة في جيش الإمارة". ويتدارك القطار: "كان الأمير فخر الدين سبّاقا في تحقيق المساواة بين رعايا الإمارة. وهذه المساواة ولّدت حالة أخذت تتطوّر مع الزمن". \r\n

"كيان" مؤثر في حكاية لبنان. لكنّه كلّف الأمير "ثمناً غالياً"، خصوصا لِما رأى فيه العثمانيّون من "محاولة للخروج عن سلطتهم يوماً من الأيّام". في تلك الحقبة أيضاً، بدأ التّفكير في "كيان جبلي"، بتعبير القطار، "لم يكن يسعى إلى الاستقلال كليًّا عن السلطنة العثمانية، إنّما أُريدَ أن يكون كيانًا معيّنًا. وللأسف كان على يد المسيحيّين أساساً، وتحديداً الموارنة". \r\n

- "مجمع اللويزة" (1736) الذي أعاد تنظيم الكنيسة المارونيّة، ووضع دستوراً اصلاحيًّا لها. "للمفاجأة"، اختِيرَت له تسمية لافتة: "المجمع اللبناني". وهذا يبيّن، على قول القطار، أنّ "ثمة تطورا لمفهوم لبنان بدأ يومذاك يغزو العقول". \r\n

- الإمارة الشهابية (1697-1861)، التي خلقت بدورها، على غرار الإمارة المعنية، "حيثية"، "كيانا وراثيا، وان كان تحت رحمة السلطنة العثمانية". ويشرح القطار: "في هذا الكيان، بدأ النّاس يفكّرون افكاراً جديدة. وقد ترافقت حيثية هذه الإمارة مع اندفاع المسيحيّين من شمال لبنان إلى كسروان والشوف وجزين، إلى مرجعيون وعين ابل والقرى السبع، إلى الناصرة وعكا... وأصبح الشريط الجبلي يتمتّع بأكثرية مسيحيّة مستقرّة في القرى، تحلم بخلق كيان ذاتي". \r\n

- العاميّات الشعبية مطلع القرن التاسع عشر (1820-1821). وكانت ثمرة كلّ تلك الحالات السياسية والاقتصادية والشعبية... "كانت افكاراً غير واضحة كثيراً، لكن يبدو أنّها كانت متأثّرة بما وصل إليها من أفكار الثورة الفرنسيّة (1789). وقد شارك فيها أشخاص من كلّ الطوائف. وطُرح فيها وجوب التلاقي حول الصالح العمومي، والمساواة في دفع الضرائب، وعدم خضوع الأمير للوالي ووجوب ان تكون علاقته مباشرة بالسلطان. هذا الفكر جديد، غير معهود من قبل"، على ما يشرح القطار. التاريخ كتب عن تحركات هذه العاميات وعما اثمرته من "ثورة قُمِعت بالقوة" (عاميّة لحفد 1821) على يد الأمير بشير، والشيخ بشير جنبلاط. \r\n

- نظام القائمقاميتين الدرزية والمسيحية (1842). فمع ان هذا النظام الجديد أُريد له أن يشكّل حلاً للحكم الذاتي في لبنان، إلا أنّه "تسبب"، في رأي القطار، "بأحداث طائفية بين الدروز والمسيحيين عامي 1845 و1860". أحداثٌ دمويّةٌ مروعة، لكنّ وراءها "تمخّضا قويا" لوطن، "لكيان طائفي"، "لـشيء غير مألوف داخل السلطنة"، يريد ان ينبعث و"يعيش مستقلا بعيدا منها". \r\n

- الفلاحون الموارنة أيضا سطّروا فصولاً في حكايات الثورة (1858). "يومذاك، قوي لديهم زخم الأفكار الثورية، وطرحوا فكرة الثورة على الاقطاعيّين. تجاوب الشارع المسيحي، بخلاف الشارع الدرزي الذي حمى الاقطاعيّين"، يروي القطار. التاريخ يضيء على ثورة طانيوس شاهين... و"النتيجة القضاء على الاقطاعيين المسيحيّين أو عزلهم"، مع الإشارة الى الدور الّذي أدّته يومذاك "الكنيسة المارونية في دعم العامّة ضدّ الاقطاعيين". ويتدارك: "كانت الكنيسة عباءة هذه الافكار الثورية، خصوصاً أنّها حملت لواء التّغيير، وطمحت الى خلق كيان لبنان". \r\n

- إنشاء المتصرفيّة بعد مجازر 1860: صحيح أنّ هناك متصرفا يأتمر بالسلطان، الا أنّه "كان الى جانبه مجلس نواب لبناني منتخب من الشعب، وليس معيّناً، وشكّل لبّ الدفاع عن كيان لبنان"، على قوله. "كان النواة الحقيقيّة للبنان". ومن نتائج هذه المتصرفية، في رأيه، "أنّها أسّست لحلم أن يكون لبنان أكبر. وبدأ مثقفون لبنانيّون يطرحون، منذ مطلع القرن العشرين، فكرة لبنان". \r\n

- إعلان دولة لبنان الكبير في أيلول 1920، تحت انتداب فرنسي مباشر. وعام 1926، نشأت الجمهورية اللبنانية. وفي 26 ايار، أقرّ مجلس النواب الدستور اللبناني في حضور المفوض السامي، ليصبح بذلك جمهورية ديموقراطية برلمانية. من أبرز وجوه تلك الحقبة، "البطريرك الماروني الياس الحويك الذي حمل لواء لبنان الكبير، وكان له الدور الاساسي في الوفود التي ذهبت الى مؤتمر فرساي للمطالبة بالكيان اللبناني". \r\n

تحوّلٌ مصيري في تاريخ لبنان. الحلم يتّحقق، و"انطلق مشروع لبنان". القول ان للفرنسيين اليد الطولى في خلق لبنان، لا يوافق عليه القطار. "كانت هناك مجموعة لبنانيّة، شكّل المسيحيون الأكثرية فيها ومعهم دروز وسنّة وشيعة، وهي التي أرادت الكيان اللبناني. فرنسا كانت لها مصلحة في مساعدتها. ووُلِد هذا الكيان، وتبنّته فرنسا، وكانت لها مصلحة في تبنّيه".

الجمهوريّة المستقلّة\r\n

- احداث تعاقبت ابتداء من 1939، وكانت ذروتها عام 1943: اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939)، دخول الإنكليز والفرنسيّين الأحرار المنطقة (1941)، صراع إنكليزي- فرنسي محتدم، إعلان المندوب السامي الفرنسي الجنرال كاترو استقلال لبنان (26 ت2 1941) لكن مع احتفاظه بسلطاته. اللبنانيّون يطالبون بانجاز الاستقلال، رغم خلافاتهم الداخليّة واحتدامها. مجلس النواب يعدّل الدستور ويلغي أو يعدّل المواد المتعلقة بالانتداب (8 ت2 1943)، من دون موافقة الفرنسيين. الغاء المندوب الفرنسي جان هللو هذا التعديل وتعليقه الدستور وحلّه مجلس النواب واقالة رئيس الجمهورية بشارة الخوري وأعضاء الحكومة ووضع عدد منهم في قلعة راشيا (11 ت2). تحرّك شعبي واسع، تظاهرات غاضبة واقفال المحال ومطالبة بإطلاق المعتقلين. "سقوط قتلى وجرحى خلال تلك المواجهات". \r\n

وكبرت القصة كثيراً، بما استوجب أن "يرسل الجنرال ديغول الى لبنان مساعده الجنرال كاترو الذي قابل أعضاء الحكومة المعتقلين ورجال الدين والسياسة، وألغى تدابير هللو. فأطلق المعتقلين في 22 ت2 1943. وأصبح هذا اليوم العيد الوطني للبنان، عيد الاستقلال (الدكتور وهيب أبي فاضل، "لبنان في مراحل تاريخه الموجزة"). \r\n

يوم تاريخي، يوم ولادة لبنان المستقلّ. في رأي القطار، "اللبنانيّون أرادوا الاستقلال. فكرة لبنان كانت تخمّرت لدى مختلف الفئات اللبنانية". ويتدارك: "عندما مشى السنّة، لا سيما آل الصلح، مع مشروع الكيان اللبناني، ووقفوا الى جانب الرئيس بشارة الخوري، غلب مشروع لبنان الجمهورية المستقلة". \r\n

¶ هل استقلّ لبنان قبل أوانه، نظرا الى استمرار الخلافات السياسيّة فيه، الى جانب خوضه حربا اهلية دموية...؟ \r\n

- لا اعتقد ذلك. في رأيي، لبنان استقلّ في أوانه. لكن لدينا مشكلة هي أنّ المكونات اللبنانية تتأثر كثيرا بالتجاذبات الاقليمية، الى حد الولاء لهذه الدولة او تلك. وهذا يعني انها ليست ناضجة. يجب أن ندرك أنّ الاستقلال يحمي لبنان، وأنه من الضروري أن يكون كلّ الأفرقاء السياسيّين مستقلّين، ويفكّروا في مصلحة بلادهم ومواطنيهم أوّلاً. مصلحة لبنان تقضي بأن يتفاهموا بعضهم مع البعض، وأن يستقووا ببعضهم البعض، وليس بالغرباء ضد بعضهم البعض".

[email protected]