الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 30 °

المهاجرون واللاجئون: في سبيل مقاربة أورو - متوسطية

المصدر: " ا ف ب"
زياد الصَّائغ
Bookmark
المهاجرون واللاجئون: في سبيل مقاربة أورو - متوسطية
المهاجرون واللاجئون: في سبيل مقاربة أورو - متوسطية
A+ A-

\r\n

الأهمية الاستثنائية لإشكالية الهجرة واللجوء في الحيّز الأورو - متوسطي قائمةً في البحث عن إمكان إنجاز مقاربة علمية عقلانية وعملانية عن هذه المسألة الإشكالية ذات الابعاد الثلاثيّة المتقاطعة المسبّبات والتداعيات، ولو في ما بينها من تمايزات بنيوية. هذه المقاربة العلميّة العقلانية العملانية نحتاجها تُبعِدنا عن الشعبوية والديماغوجيا والسِّياسويّة والارتجال. هذه السّمات التي باتت للأسف في صميم أساس الاستقطاب السياسي.

أما الأهمية الاستثنائية الثانية فقائمة في أنَّ هذه الإشكالية تعيدني الى مسؤوليتنا نحن المتوسطيّين عن تعميق التفكير الإيجابي في الأزمات لنحوّلها فرصاً. فالحضارة، أي حضارة، تفتقد قيمتها إن لم تواكب اللحظة التاريخية بتحدّياتها وبإشراقاتها على حدٍّ سواء. وأستعيد هنا عن قصد الفيلسوف اللبناني رينيه حبشي في 21 حزيران 1964 بمناسبة تسلُّمه "جائزة جان حمروش" على كتابه "بدايات الخليقة"، إذ قال: "ليس البحر المتوسط مجرّد بحيرة أو حدثاً جغرافياً فحسب. إنه بنوعٍ خاص، الظاهرة الثقافية التي تجسّدت على مَرِّ التاريخ... بحيث أن المفهوم المتوسطي الحالي تخطّى البحر المتوسط فارتسمت شطآنه في الوجدان الإنساني..." ويتابع حبشي: "إن هذه البحيرة لم تكُن ضيّقة الى حد اختلاط ثقافاتها الواحدة في الأخرى، ولم تكن شاسعة في اتساعها، لينتفي الواحد عن الآخر من شُطآنه. لقد كانت معتدلة في مقاييسها، بصورة تسمح لهذه الثقافات والحضارات بأن يتميّز بعضها عن بعضها الآخر، وتحقّق الانضمام في صورةٍ أفضل. ومن هنا وُلد الإنسان المتوسطي: إنسان الحوار الذي اكتشف مقياس الإنسان، من خلال حواره، ذلك المقياس الإنساني المتعالي في شخصِ كل إنسان...".\r\n

إصراري على استعادة رينيه حبشي هو في صلب معادلة إشكالية الهجرة واللجوء والنزوح، خصوصاً في دول حوض البحر الأبيض المتوسط بضفَّتيه. إذ هي دول الشرق الأوسط القائمة على إحدى ضفَّتي المتوسط، وبين نكبة فلسطين وحرب سوريا تماهت مع أزمتي لجوءٍ ونزوح، عدا نزف الهجرة الطوعية أو القسرية. وهي دول أوروبا وبعض شمال إفريقيا تتماهى اليوم مع مأساة مئات آلاف المهاجرين، الى حدّ فرضِ الهجرة نفسها عنصر انقسامٍ، ولو محدودٍ، بين أعضاءِ أهم اتحاد دولي، عنيتُ الاتحاد الأوروبي، القادر على حماية أخلاقية لقِيَم حقوق الإنسان والديموقراطية والحرية والعيش معاً والحوار من على ضفّته ذات السمة العلمانية ليُلاقي بذلك شركاءَه المؤسسين لهذه القِيَم من على ضفةٍ أخرى ذات سمةٍ متديّنة. هذه العلمنة وهذا التديُّن متلاقيان على كثيرٍ من الغنى، لكن أيضاً للأسف على كثيرٍ من احتمالات التنافر الجوهري.\r\n

في هذا السياق، وفي أي مقاربة لمسألة الهجرة، أو اللجوء، أو النزوح، يقتضي أن نبحث بالإضافة الى مأساة المشتركات التي ترتّبها، عنيت الصراع على الموارد، وتدهور الحالة الاقتصادية - الاجتماعية، ومخاطر التطرّف، ترتبها على المهاجرين واللاجئين والنازحين من ناحية، كما على المجتمعات المضيفة من ناحيةٍ أخرى، يقتضي أن نبحث عن أزمة الهوية لدى كلٍّ من هؤلاء. وإشارتي الى أزمة الهوية غير مرتبطةٍ بأي شكلٍ من الأشكال بما يُثار هنا أو هناك عن سياقاتٍ شعبوية وسياسوية لاستقطاب واستنفار الناخبين، بل مرتبطة بأن ما نعايشه اليوم من نقاشٍ حاد حول الهجرة واللجوء والنزوح فتح الباب على مصراعيه أمام التفكير في صراع الهويّات كما عبّر الروائي أمين معلوف، كذلك التفكير في أفضل حوكمةٍ للتعدّدية. لكن في تقديري أن هذا غيرُ مكتملٍ ومبتور، إذ نحن إن أصررنا على أن صراع الهويّات وحوكمة التعدّدية هما المستهدفان وحدهما، نكون قد تجاهلنا فَهم الأسباب الكامنة وراء الهجرة واللجوء والنزوح، وبدأنا بمعالجة النتائج. معالجة المسبِّبات هي الأساس. دعونا لا نضيّع البوصلة.\r\n

أحمل هنا، وفي هذا الإطار، تساؤلاتٍ كثيفة التعقيد من مثل: لِمَ ومنذ العام 1948 لم يقتنع العالم بأن عودة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم أي دولة فلسطين، هي عودة كفيلة بإحقاق العدالة، فيما طروحات الدمج المجتمعي والقانوني التدريجي لهؤلاء في المجتمعات المضيفة ليست بِناجعة؟ ولِمَ لم يتحرّك العالم حتى الآن لمنع تنفيذ القانون رقم 10 في سوريا والذي يصادر ضمن مهلة محدّدة ممتلكات اللاجئين والنازحين إن لم يصرّحوا عنها، ما يعني فرزاً ديموغرافياً طائفياً - مذهبياً ونقضاً لحقوق هؤلاء الوطنية والقانونية؟ وما معنى الاندفاعة للانكفاء عن انجاز حلٍّ سياسي في فلسطين المحتلة وسوريا، بما يعني وقف مسلسل القتل والتهجير والعودة الى قواعد السلام؟ وماذا عن استمرار التدهور الأمني والاقتصادي - الاجتماعي في شمال إفريقيا وما يفرضه من هجرة شرعية وغير شرعية، ومَن هو قادرٌ على حسم هذا التدهور الذي يُفرغ هذه الرقعة الجغرافية من أبنائها، وينشئ توتّرات حيث يهاجر هؤلاء؟\r\n

أعتقد أن الإجابة عن هذه التساؤلات الكثيفة التعقيدات الجيوبوليتيكية يساهم الى حدٍّ ما في بدء معالجة النتائج غير الصحيّة لأزمات الهجرة واللجوء والنزوح، ولكن بعيداً عن استنفار العصبيات العنصرية القومية منها والدينية لدى المهاجرين واللاجئين والنازحين من جهة أو لدى الدول المضيفة من جهة أخرى، وإلا نكون قد دخلنا في اغتيالٍ مباشر للقِيَم الإنسانية والدينية التي حملتها شعوب المتوسط. وانطلاقاً من قناعةٍ راسخة بضرورة الإجابة عن هذه التساؤلات أجدني مضطراً لطرح إشكاليّاتٍ ثلاثة يُقتضى التوقّف عندها في أيّ فهمٍ عميق لما تنشئه أزمات الهجرة واللجوء والنزوح من تحدّيات.\r\n

1- الإشكالية الإنسانية\r\n

إن احترام حقوق الإنسان هو أساس أي توازن بين حقوق المهاجرين واللاجئين والنازحين من ناحية، وبين حقوق المواطنين الأصليين من ناحيةٍ أخرى. وهذا يحتِّم على الطرفين مسؤوليات. ادّعاء هؤلاء أنهم ضحية الدول المضيفة مدمّر. وادّعاء أولئك أنهم ضحية وفود هؤلاء مدمّر. العودة الى قِيَم حقوق الإنسان هو التحدّي الأول لمجتمعاتنا التعدّدية.\r\n

2- الإشكالية السيادية\r\n

إن احترام سيادة الدول المضيفة وخصوصية عاداتها وقوانينها والاستعداد للاندماج بها أقلّه على مستوى المهاجرين، إذ إن اللاجئين والنازحين وثيقو الصلة بحق العودة، هذا الاحترام للسيادة صمّام أمان لكل الأطراف، إذ حين تسود لغة القانون تنتفي احتمالات تفجير صِيَغ التعدّدية. تفوّق القانون هو التحدي الثاني لمجتمعاتنا التعدّدية.\r\n

3- الإشكالية الثقافية\r\n

يحمل المهاجرون واللاجئون والنازحون الى الدول المضيفة عاداتهم وتقاليدهم. في هذا إغناءٌ نعم. لكن حتماً ثمة من يرى في ذلك محاولة اقتحام لخصوصية ثقافة المواطنين الأصليين، ولا يغيب في هذا السياق استعمال المعطى الديني سلباً في غالب الأحيان. تلاقح الخصوصيات والإقرار بالحق بالاختلاف هو التحدّي الثالث لمجتمعاتنا التعدّدية.\r\n

إن هذه الإشكاليات الثلاثة الإنسانية والسيادية والثقافية، ومع اقرارنا بواجب فهمها في حالات المهجرين واللاجئين والنازحين، كما في حالات الدول المضيفة، فإن ذلك لا يُعفينا من الإقرار بأننا أمام معالجة للنتائج وليس للمسببات. فباسم الدمج المجتمعي نذهب في مسار تفريغ مجتمعات وتفتيت مجتمعات وتذويب مجتمعات. هنا يبدأ صراع الهويّات والتشنّج في التعدّدية. اللاجئون الفلسطينيون والنازحون السوريون هم خير مثال على هذا المسار التفريغي والتفتيتي والتذويبي. حماية حقوقهم وحياتهم الكريمة في الدول المضيفة حتى عودتهم حقٌ مقدّس. وحماية حقّهم بالعودة الى فلسطين وسوريا حقٌ مقدس أيضا. إنه التوازن المطلوب بين الإنساني والسّياديّ والثقافي، عدا ذلك ستنتظرنا مخاطر كبيرة على كل المستويات.\r\n

كل ما سبق يضعنا أمام تساؤلات أربعة مهمّة:\r\n

1- هل تداعيات أزمات الهجرة واللجوء والنزوح تُعالَج بمُسكِّنات التدخّل الإغاثي؟\r\n

2- هل يمكن أن نواجه أزمات هويّة بمقارباتٍ اقتصادية – اجتماعية؟\r\n

3- أين الاستثمار في الاستقرار السياسي، وحقوق الإنسان، والحريّات، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية في دول المهاجرين واللاجئين والنازحين الأصلية؟\r\n

4- أين منظومة حوكمة قانونية وثقافية سليمة للتعدّدية في الدول المضيفة لهؤلاء وفي دولهم الأصلية؟\r\n

أخاف أننا نحن الأكاديميين مهزومون أمام الشعبويّين والديماغوجيّين لأننا لم نقرِّر حتى الآن خوض مغامرة التأثير في السياسات... وهذا غير مقبول!

مختص بشؤون اللاجئين في لبنان