الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 29 °

السويداء... ضحيّة رسائل سياسيّة أم فورة داعش؟

المصدر: " ا ف ب"
جورج عيسى
Bookmark
السويداء... ضحيّة رسائل سياسيّة أم فورة داعش؟
السويداء... ضحيّة رسائل سياسيّة أم فورة داعش؟
A+ A-

من اللافت للنظر أنّ الهجوم جاء بعد تصريح لقائد العمليّات المدنيّة في التحالف الدوليّ الجنرال الفرنسيّ فريديريك باريزو بأنّ عدد مقاتلي التنظيم يصل إلى بضع مئات. وقال إنّ هؤلاء يسيطرون على منطقة تقدّر مساحتها ب 300 كيلومتر مربّع في وادي الفرات بين مدينتي هجين والبوكمال، مشيراً إلى أنّ المعركة ضدّهم ستستمرّ لبضعة أشهر. وكان الرئيس الأميركيّ دونالد #ترامب المستعجل لسحب قوّاته من سوريا أعلن في قمّة #هلسينكي أنّه تمّ تحرير من 98 إلى 99% من الأراضي التي كان التنظيم يسيطر عليها.\r\n

شنّ داعش عدداً من الهجمات الإرهابيّة في المحافظة بينها ثلاث عمليّات انتحاريّة في المدينة وحدها بحسب المرصد السوريّ لحقوق الإنسان. وانطلقت الاعتداءات من الجيب الصغير الواقع في شمال شرق المحافظة وأدّت إلى مقتل حوالي 250 شخصاً في حصيلة قد لا تكون نهائيّة. وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن في حديث لوكالة الصحافة الفرنسيّة إنّ هذه الحصيلة الدمويّة هي "الأكبر في محافظة السويداء منذ اندلاع النزاع" سنة 2011.\r\n

\r\n

اتهامات متنوّعة المسارات\r\n

في سلسلة من التغريدات اتّهم الزعيم اللبنانيّ الدرزيّ وليد جنبلاط نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد بتدبير هذا الهجوم متسائلاً: "ما هي جريمة مشايخ الكرامة سوى رفض التطوّع بالجيش لمقاتلة أهلهم أبناء الشعب السوريّ". وأضاف أنّ "الحزب الاشتراكيّ يتمنّى للمرّة الثانية من القيادة الروسيّة حماية مشايخ الكرامة من انتقام النظام وغدره وحفظ كرامة مشايخ الكرامة والأخذ بعين الاعتبار بمطالبهم المحقّة".\r\n

لكن على الضفّة الأخرى، كانت وسائل الإعلام الروسيّة الناطقة باللغة العربيّة تنشر تقارير ومقابلات تتّهم الأميركيّين بدعم هجمات داعش الأخيرة. ففي تقرير بعنوان "من أين هاجم داعش السويداء ومن نسّق تحرّكاته" كتب صفوان أبو حلا في "روسيا اليوم" أنّ "اجتياحهم من جهة الشرق، يقود إلى إجابة شبه قاطعة بأنّهم انطلقوا ونسّقوا لتحرّكاتهم من التنف شرقي سوريا، حيث تسيطر القوّات الأميركيّة". ووجد العميد العسكريّ السوريّ المتقاعد علي مقصود في مقابلة مع وكالة "سبوتنيك" أنّ من بين أسباب الهجوم على السويداء إطالة أمد الوجود العسكريّ في التنف التي "تخصّصها لتجميع وتدريب عشرات آلاف الإرهابيّين".\r\n

ردّ "جيش مغاوير الثورة" المدعوم من الأميركيّين في التنف على تلك الاتّهامات معرباً عن وقوفه إلى جانب أهالي السويداء من خلال بيان جاء فيه: "لا تدعوا الأكاذيب تخدعكم. جيش مغاوير الثورة سيواصلون اصطياد خنازير الدواعش داخل منطقة ال 55 ك.م. منطقة ال 55 ك.م. لم تكن ولن تكون ملاذاً آمناً لداعش". وذكّر البيان أهالي السويداء بأنّ التنظيم استهدف مقاتلي "مغاوير الثورة" وعائلاتهم أكثر من مرّة.\r\n

\r\n

"سوريا لا تزال عبارة عن فوضى"\r\n

ما يجعل احتمالات أن يكون لتفجيرات داعش رسائل سياسيّة محلّيّة ودوليّة هو طبيعة الحرب السوريّة التي لم تتغيّر حتى مع سيطرة الأسد على حوالي ثلثي مساحة بلاده. فإذا كان باحثون كثر شدّدوا أساساً على أنّ تراجع وتيرة الحرب لا يعني حكماً توجّه البلاد نحو سلام مستدام، فإنّ الصراع بالوكالة يمكن أن يعقّد مرحلة توجّه سوريا إلى طيّ آخر صفحات حربها الأهليّة. منذ أقلّ من عشرة أيّام، ذكّر الكاتب روبرت مور قرّاءه في مؤسّسة الرأي الأميركيّة "ذا ناشونال إنترست" بأنّ "سوريا لا تزال (عبارة عن) فوضى" بحسب عنوان مقاله. رأى مور، وهو مستشار لسيناتورين في شؤون الدفاع والسياسة الخارجيّة خلال عقد من الزمن، أنّ عبارة "مستنقع" لا تزال تنطبق بدقّة على توصيف النزاع السوريّ. وحتى عند هذه المرحلة، يحذّر مور من أنّ هذا المستنقع لا يزال قادراً على جذب القوى الخارجيّة إليه وعلى رأسها الولايات المتّحدة التي لا تتمتّع ب "مناعة" إزاء هذا التدخّل، كما أوضح.\r\n

سيكون أيّ تفاهم أميركيّ-روسيّ تمّ التوصّل إليه خلال قمّة هلسينكي في سباق مع الزمن داخل سوريا بسبب المصالح المتناقضة للأطراف الخارجيّة المنخرطة في الصراع والتي قد تعيد #واشنطن و #موسكو سريعاً إلى مسار صداميّ. ولا شكّ في أنّ قاعدة #التنف تشكّل محطّ تجاذب بارز بين العاصمتين لنظراً لموقعها الاستراتيجيّ القريب من تقاطع الحدود السوريّة الأردنيّة العراقيّة. ولو غاب هذا التفاهم، لن يكون من المستبعد أن يتمّ الضغط على الأميركيّين للتخلّي عن قاعدة التنف، بالتوازي مع حملة إعلاميّة تربط بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بين الاستقرار وضرورة تفكيك تلك القاعدة.\r\n

\r\n

ماذا عن التناقضات الداخليّة؟\r\n

العلاقات بين النظام ومختلف المكوّنات الأهليّة في سوريا ستبقى شائكة بالحدّ الأدنى مع اقتراب البلاد من تحديد الملامح الأولى لشكل السلطة في مرحلة ما بعد الحرب. وبحسب ما يشرحه ل "النهار" الباحث في مركز "الشرق الأوسط للأبحاث والدراسات الاستراتيجيّة" الدكتور شربل العلم، هنالك حاجة للعودة إلى الماضي القريب من أجل فهم الأحداث المحتملة في المرحلة اللاحقة. يذكّر العلم بداية بأنّ دروز السويداء "حاولوا منذ اندلاع الثورة السوريّة تجنّب الحرب". \r\n

وأضاف: "لكن في العام 2015، بدأت الأزمة السورية تُرخي بظلالها عليهم، مع تقدُّم المعارضة السورية المسلّحة في درعا عند الحدود الغربية للسويداء. تمكنت المعارضة حينها من إخراج قوات النظام من معظم ريف درعا، حيث انسحبت هذه الأخيرة وأعادت تموضعها في عدد من مناطق جبل الدروز، وباتت تستخدمها كمنطلق للهجمات على ريف #درعا. شارك عدد صغير من المقاتلين الدروز في معارك إلى جانب الأسد، وعمدت مجموعة من مشايخ العقل إلى اتخاذ موقفٍ واضح مؤيد للنظام، ودعت إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية وسط مقاطعة كبيرة جداً من شباب الدروز للخدمة الإلزامية". \r\n

بعد هذه التطوّرات، يذكّر العلم أيضاً بالمرحلة التي دعا خلالها الشيخ وحيد البلعوس "إلى الحياد ووحدة الصفّ الدرزيّ في السويداء، رافضاً رفضاً قاطعاً مشاركة دروز سوريا في القتال إلى جانب النظام ضدّ الشعب السوريّ". في ذلك الوقت، "نجحت مجموعة ‘مشايخ الكرامة‘ التابعة للشيخ بلعوس آنذاك، من منع سحب النظام لبعض السلاح الثقيل من السويداء، كما أصدرت مواقف تُنهي حالة التجنيد الإجباري. لكن لاحقاً تمّ اغتيال الشيخ بلعوس". بالنسبة إلى العلم إنّ "ما يحصل اليوم لا يُمكن فصله عن الأحداث السابقة". \r\n

\r\n

أليست الهجمات المضادة بصمة داعش التقليديّة؟\r\n

"صحيح أن داعش يعمد إلى تنفيذ هجمات في محيط الجيوب التي يسيطر عليها، لكن هناك علامة استفهام كبيرة حول الأسباب التي دفعت النظام إلى إخراج مقاتلي داعش من مخيّم اليرموك باتجاه السويداء، إذ إنّ هناك تقارير تُشير إلى انتقال المئات من مقاتلي داعش في أيار الفائت من جنوبي #دمشق إلى ريف #السويداء الشرقي، عقب اتفاق بين النظام والتنظيم لإخلاء مخيم اليرموك". وأشار الباحث إلى الزيارة التي أجراها وفد روسي لمحافظة السويداء منذ أيام، واجتماعه مع مشيخة عقل طائفة الموحّدين الدروز من أجل "مناقشة مستقبل المحافظة". ويختم العلم: "لذلك، يبدو أن كل ما يجري يندرج في إطار مخططٍ هدفه ترتيب مستقبل الجنوب السوري بعد سيطرة النظام على مُعظم محافظتي درعا والقنيطرة. وهذا يتطلب عودة السويداء إلى حضن النظام بشكل كامل، من خلال ثني مشايخ الكرامة عن مواقفهم، وإجبار الشباب الدروز على الالتحاق بالخدمة العسكرية".\r\n

\r\n

نشر اعتداءاته في سوريا وباكستان\r\n

على الرغم من تزامن اعتداءات داعش مع سلسلة تطوّرات داخليّة وخارجيّة مرتبطة بحسم مصير الملفّ السوريّ بشكل عام والجنوب السوريّ بشكل خاص، تستدرج العمليّات الخطيرة الأخيرة لداعش انتباهاً خاصاً لكونها تؤشّر ربّما إلى تمتّع داعش بقدرات إرهابيّة جديدة. ففي أسبوع واحد من شهر أيّار، تمكّن التنظيم من قتل حوالي 100 جنديّ سوريّ جنوب العاصمة #دمشق. ويوم الأربعاء الماضي، فجّر انتحاريّ نفسه أمام مركز للاقتراع في مدينة كويتا الباكستانيّة ممّا أدّى إلى سقوط 31 قتيلاً على الأقلّ فيما تبنّى داعش العمليّة لاحقاً. وفي 14 تمّوز، شنّ التنظيم الإرهابيّ عمليّتين انتحاريّتين ضدّ تجمّعين انتخابيّين ممّا أدّى إلى سقوط حوالي 150 قتيلاً. \r\n

من هنا، إذا كان داعش فعلاً يطوّر قدراته على شنّ الهجمات الإرهابيّة في المرحلة المقبلة، فإنّ استغلاله المحتمل من قبل بعض اللاعبين سيساعده بالتأكيد على تطوير إحدى أشدّ نسخه فتكاً على الإطلاق. \r\n

\r\n

\r\n

\r\n


الكلمات الدالة