الأربعاء - 28 تشرين الأول 2020
بيروت 25 °

إعلان

معرض بيروت للكتاب يبحث عن منقذ... فوضى وشيخوخة

المصدر: "النهار"
ندى أيوب
معرض بيروت للكتاب يبحث عن منقذ... فوضى وشيخوخة
معرض بيروت للكتاب يبحث عن منقذ... فوضى وشيخوخة
A+ A-

" #معرض_بيروت_العربي_والدولي_للكتاب "، اختتم دورته الـ61 وهو لا يزال يسعى إلى مواجهة سنواته الخريفية على طريقته من دون أن يعلن ربيعه، يواجه رياح الحداثة التي بدأت تعصف في عالم النشر والعرض والتسويق، ناهيك بافتقاره إلى حسن التنظيم الذي بدا نافرا هذه السنة وتمحورت حوله شكاوى دور النشر والرواد على السواء.

عميد المعارض العربية يمضي بوتيرة نمطية انحدارية، شعراء وروائيون يرون أن مساره انعكاس لثقافة أحوال الدولة المترهلة المتصدعة، التي لا تقيم أي اعتبار لوزارة الثقافة. وفي حين تسعى الجهة المنظمة اي "النادي الثقافي العربي" لايجاد مكان بديل عن "البيال" لاقامة معرضها، وترفع الصوت عاتبة على الدولة الغائبة تماما عن دعم المعرض، يرد وزير الثقافة غطاس خوري بأن "الوزارة تقوم بأقصى جهدها لدعم هذا الحدث الثقافي".


 تقدم في العمر... وعجز 

 منذ دخول المعرض تبدو الفوضى عارمة، فبين حركة المنظمين ورجال الأمن، والموظفين الذي يجمعون فواتير المشتريات من الزوار المغادرين، يبدو المدخل أشبه بـ"سوق الأحد". الى الداخل در رفوف ممتلئة بآلاف الكتب والإصدارات، ككل عام مجرد أجنحة لبيع الكتب وكرنفالات التواقيع والزهور الاجتماعية والعائلية، وهنا يطرح السؤال عن الثورة التقنية والمعلوماتية التي يفتقدها المعرض تماماً، وعن توظيف التكنولوجيا في حقل العرض. 

"تنظيم يفتقد الابداع والافكار الجديدة" برأي الروائي جبور الدويهي الذي يصف المعرض بـ"غير الخلاق"، قائلا لـ"النهار": "المعرض لا يجوز أن يكون فقط مساحة لبائعي الكتب، اين النشاطات التي تفتح أفق النقاشات والقراءات، اين المفكرين والادباء". اما برنامجه الثقافي، فـ"يتراجع عاماً بعد آخر" على حد قول الشاعر محمد علي شمس الدين الذي أكد لـ"النهار" أن "عراقة المعرض تملي عليه أن يطور نفسه". ويشاطرهم الرأي الشاعر والصحافي زاهي وهبي ليحسم بدوره أن "تجديد المعرض وعصرنته أصبحا أمرا ضروريا بمعنى الانفتاح على الفنون وأشكال التعبير المتنوعة التي لا يجب أن تنحصر كما هو الحال اليوم بالشعر والندوات، بل هناك أدوات تعبير جديدة وأنشطة جذابة غائبة".

صحيح أن هذا الأمر ليس بجديد، فهو ملاحظ منذ السنوات الماضية، إلا أنه ترافق هذا العام مع مشاكل لوجستية عديدة. وانت تجول داخل قاعة العرض ستزعجك الانارة الخافتة السيئة، قماش أسود، غطى سقف المعرض، أضفى كآبة ثقيلة على الفضاء، إضافة إلى رداءة "الموكيت" المتسخ وعشوائية ألوانه الكالحة، يلفت انتباهك التدخين داخل قسم الكافتيريا غير المنفصل عملياً عن بقية أقسام المعرض، هنا تخترق الامطار سقف القاعة لتتسرب المياه الى الداخل فوق احد الاجنحة، وهناك صاحب دار نشر يشتكي لـ"النهار" عن تأخر تجهيز لوائح التعريف بعد ايام على انطلاقة المعرض، ويتحول الزائر إلى كتلة غضب بعد أن يتفاجأ أن عليه دفع خمسة آلاف ليرة ليركن سيارته، هذا إن وجد مكانا متوافراً للوقوف. علماً أن المواقف كانت مجانية في السنوات السابقة.

تخبرنا مديرة دار "الاداب" رنا ادريس ان الدار قدم اعتراضات حول تلك الثغر، هي التي ترى ان "دور المعرض يقتصر على كونه سوق كتب وفرصة للناشر اللبناني لتقديم عمل جديد والاحتكاك بالقارىء"، تستبعد اقبال الرواد على النشاطات في حال نظمت اعلى هامش المعرض وتتمنى لو ان القيمين عليه يهتمون اقله بالتنظيم ويقدمون شيئا اكثر جمالية.


نظرة مغايرة

لمدير عام دار "الفارابي" حسن خليل نظرة مغايرة، فـ"المعرض ليس مجرد سوق لبيع الكتب بل هو المساحة الثقافية الوحيدة المتبقية في البلد بغض النظر عن طبيعة المعروضات". يقر خليل بالمشكلات التي يعاني منها المعرض ويصر في الان عينه على التعامل مع الحدث بايجابية، داعيا الوزارات المختصة الى لاهتمام بالثقافة ودعمها بدل الانفاق على رحلات الاستجمام خارج البلاد. ويقول لـ"النهار" إن "مسؤولية النهوض بالمعرض يتحملها الجميع، فتضافر جهود دور النشر والجهات المنظمة والوزارات المعنية يعيد لبيروت عنوانها كعاصمة للكتاب... اسم لبنان وبيروت بالدق". 

 تقدم العمر جعل من المعرض العريق عجوزاً وهذا أمر مرفوض، فمن غير المقبول أن تشيخ المعارض كحال البشر كونها عرضة للتجدد والتطور لتواكب عصر النشر الحديث وما يحمل معه من تحولات أو ثورات، فكيف بمعرض اجتاز مساراً طويلاً لم تستطع حتى الحرب الأهلية على اختلاف مراحلها أن تنال منه أن يكون عاجزا عن الاستجابة لذلك؟ ناهيك بافتقاره إلى أبسط وسائل الإحصاء. يسأل الاعلاميون عن عدد الزوار فتأتيهم الاجابة بالتخمين، الإحصاء الوحيد الذي يقوم به المعرض هو إحصاء الكتب الأكثر مبيعاً، وما زال يعتمد فيها الطريقة اليدوية أي عدّ الفواتير التي تسلم عند المدخل باليد قبيل المغادرة، وهي غير موثوق بها كثيراً، فثمة فواتير لا تسلم خصوصاً في الزحمة.  

هوية تتلاشى

"معرض بيروت العربي والدولي للكتاب" كما يشير اللقب الذي اختير له، بالكاد يحافظ على هويته العربية التي اصيبت باختلال فاضح. فالدورة الحادية والستون انطلقت بمشاركة 225 دار نشر، الدور العربية تقارب الستين وتطغى عليها الدور السورية التي باتت على ما يبدو تجد في معرض بيروت متنفساً لها نظرا لقرب المسافة. اما على المستوى الرسمي، فسجلت الكويت انسحابا مفاجئا، اضافة الى المقاطعة السعودية منذ سنوات لنجد في المحصلة ان الخليج الذي كان يحضر بشدة سابقاً، لم يشارك سوى عبر وزارة الثقافة العمانية.

أبواب الدار فتحت نادراً أمام الكتّاب والظواهر الأدبية العربية، على رغم عروبته الراسخة، ومعظمهم يقصدونه إما بدعوات من الناشرين أو بمبادرات شخصية.
أما البعد الدولي للمعرض فغائب بتاتاً مع أن عنوانه يشير إلى هذا البعد علناً، واسمه "الدولي" ليس فيه أي شيء دولي اللهم عدا جناحي المركز الثقافي التركي، والبعثة الفرنسية وأوكرانيا، الضيف الطارىء هذا العام بمناسبة مرور 25 عاما على إقامة العلاقات الديبلوماسية اللبناينة الاوكرانية تلبية للدعوة التي اقترحتها سفارة أوكرانيا في بيروت. 

ألا يحق لنا أن نسأل أين ضيوف الشرف في المعرض "الأول في المنطقة العربية"، لم لا يكون فسحة للأدب العالمي فيدعو روائيين وشعراء من العالم، تغص أجنحة الدور فيه بترجمات عربية لكتبهم، ويعقد ندوات ولقاءات تجمعهم بالجمهور، كما تفعل معارض كثيرة. حتى الأدباء اللبنانيون العالميون، اللامعون في سماء اللغة الفرنسية أو الإنكليزية لم يستضفهم المعرض. كذلك الندوات والأمسيات واللقاءات غالبها من تنظيم الناشرين والمؤلفين الساعين إلى الترويج لكتبهم.

في هذا السياق يشدد الدويهي على أهمية تلك المبادرات والنشاطات، داعيا دور النشر للخروج من فكرة أن المعرض هو فرصة فقط للتعويض عن قلة المبيعات. أما شمس الدين، فيرى أن "توجيه الدعوات لشخصيات أدبية كبيرة وكثيرة أو لفرق تحتاج الى كلفة مالية وقد لا تكون اوضاع #النادي_الثقافي_العربي واتحاد الناشرين مؤاتية لذلك".


معرض يتيم...

تستطيع جمعية ثقافية لبنانية أن تجلب عشرات الفنانين والمبدعين الأجانب الى لبنان، كذلك يمكن لمهرجان موسيقي أن يستضيف الفنانين والفرق الشبابية، بينما معرض بيروت العريق، بالكاد يعلن عن نفسه في نقابة الصحافة. وعادة لا يفوت بعض وزراء السلطة حضور إعلان تنظيم مسابقة ملكة جمال أو مهرجان فني في "زاروب"، حيث يحضر وزير أو وزيران أقله، وتكمن المفارقة أن النادي الثقافي العربي واتحاد الناشرين أعلنا عن "الدورة الـ 61" للمعرض في غياب شبه تام لأهل الإعلام، والوزراء المعنيين. 

"الدولة لا تدعم الثقافة ولا تريدها فالاهتمامات في مكان آخر"، يقول شمس الدين ويضيف "على المنظمين أن يرفعوا الصوت ويساندهم بذلك الاعلام، للقول للدولة أن هذه الظاهرة الثقافية تكاد تفشل وتقصيرك جزء من السبب". أما الدويهي ففضل الاستعانة بالعابرة الشهيرة "وينيه الدولة" للتعبير عن مدى التقصير الحاصل. وبالنسبة لوهبي "مجرد استمرار المعرض أمر جيد، وأي تطوير يحتاج لدعم الجهات الرسمية، لذلك لا تصح مقارنة معرض بيروت بالمعارض العربية والدولية المدعومة من حكومات بلادها"، سائلا "لماذا ترفع وزارة الثقافة الحكومة كسلطة تنفيذية يدها عن عميد المعارض العربية؟". يقترح على النادي ونقابة الناشرين البحث عن مصادر دعم من القطاع الخاص كطرق أبواب المصارف والشركات الكبرى.

من جانبه، يرد وزير الثقافة #غطاس_خوري جازما أن "وزارة الثقافة غير قادرة ماديا على تمويل المعرض، فموازنة الوزارة تتوزع بمعظمها على الرواتب والاجور"، مشيرا الى أن "الوزارة تشارك في المعرض بجناح وتبلغ التكلفة 15 الف دولار وهذا جل ما تستطيع المساهمة به ماديا". 

وأكد خوري أنه حضر الى المعرض في الموعد الذي حددته الجهة المنظمة، لافتا الى أنه "يرافق دور النشر خلال مشاركاتهم في المعارض بالخارج". ودعا الجهات المنظمة الى تطوير اساليب عرضها المعتمدة.


 النادي الثقافي العربي يرفع الصوت 

 صدر رئيس "النادي الثقافي العربي" فادي تميم رحب في تقبل الانتقادات الموجهة، على أن يكون "النقد بناء، بهدف التطوير بما يتلاءم مع ظروف المنظمين والبلاد". في الشكل يوافق تميم على الثغر اللوجيستية وهو بدوره اعترض عليها، موضحا لـ"النهار" أن "ادارة "البيال" لم تتعاون مع النادي بل كان دورها سلبيا حيث فرضت أموراً عدة من دون التنسيق معنا كالمواقف المدفوعة، وأجرينا اتصالات مضنية لجعل التعرفة 3000 الاف ليرة بدلا من 5000 في اليومين الاخيرين من المعرض، كذلك تتحمل "البيال" مسؤولية الانارة". وأكد تميم ان النادي يسعى لايجاد مكان آخر بشروط أفضل لاقامة المعرض في السنوات اللاحقة. 

في المضمون والهوية، يرى تميم أن مشاركة بلدان كمصر وفلسطين وسلطنة عمان، ودور نشر عربية يعطي للمعرض بعده العربي، وكذلك حضور تركيا والبعثة الفرنسية هذا العام والصين في العام الماضي تعد مشاركات دولية، مشددا على أن "التقصير ليس من الجهة المنظمة بل لأسباب تتخطى طاقتنا كالظروف السياسية والامنية التي يعيشها لبنان وحروب المنطقة العربية، وبالتالي يتخوف كثيرون من تلبية الدعوات الى منطقتنا".

"العتب كبير وتاريخي على الدولة" يقول تميم، فهي على مدى 61 عاما لم تدعم المعرض، لا تفعل شيئا سوى المشاركة بجناح صغير لوزارة الثقافة وجناح مماثل للمعهد المالي، أما وزارة الاعلام التي كانت تشاركنا في كل عام، فغابت في هذه الدورة ولا نعلم السبب".

يدرك تميم أن المعارض تبنت تكنولوجيا متطورة وحديثة، ويرد غيابها عن معرض بيروت للامكانيات المادية التي تشكل العائق الاساس على حد قوله، مضيفا "أرفض تمويل الاحزاب والجمعيات كي لا اصبح مرتهنا لهم والدولة بدورها لا تدعمنا".

 وعن نسبة المبيعات أشار تميم الى أنها شبيهة بنسبة العام الماضي لا تحسن ولا تراجع. وفي حين أن مبيعات دار "الفارابي" بحسب مديره العام حسن خليلي سجلت ارتفاعا بنسبة 14,8 في المئة مقارنة مع السنوات الثلاثة الماضية، تراجعت مبيعات الجملة في دار "الاداب" ومبيعات الافرادي حافظت على معدل السنة الماضية.

على باب المخرج، زوار يخرجون أفراداً ومجموعات، منهم المثقل بأكياس الكتب ومنهم متخففون منها خالو الوفاض، محملين أمنيات كثيرة عن معرض مقبل حسن التنظيم ثمين المحتوى بكلفة منخفضة تمكنهم من الاستمتاع بكتب هجرها كثيرون في مدينة يطغى عليها الجانب الاستهلاكي يوماً بعد يوم، وتحتل أجهزة الكومبيوتر والأجهزة الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي مكاناً لطالما تربع الكتاب الورقي على قمة عرشه.

العراقة لا تكفي...

في المحصلة، عراقة معرض بيروت لم تعد تكفي لتبقيه في الواجهة والصدارة، ولم يعد جائزاً القول إن المهم هو استمرار المعرض في بلد غارق في أقسى الظروف سياسياً واقتصادياً ومعيشياً، وانتقاد المعرض ليست الغاية منه استهداف الحدث أو المنظمين، فـ"الأزمة" اذا جاز التعبير، لا تتعلق بإدارته فحسب بل تتوزع المسؤوليات بدءاً بجهابذة السياسة المتصارعين على الوزارات الدسمة والسيادية، ولا يعنيهم البعد الحضاري والتقدمي لوزارة الثقافة كونها لا تشكل مصدر ربح وصفقات، مرورا بإدارة "البيال" وخلفها شركة "سوليدير" وهما لم يساعدا المعرض وزواره هذه السنة، كما لو أن الأمر يتعلق بضيف غير مرغوب به، وصولا الى التحدي الصعب الذي يجب على النادي الثقافي العربي تخطيه، فإما أن يطور المعرض ويحدّثه ويجعله فعلاً عربياً ودولياً، وإما أن يفتح باب المبادرة أمام الخبراء الجدد مستعيناً بخبراتهم وتجاربهم الحديثة في عالم الكتب.

اقرأ أيضا: اهربوا إلى الكتب اهربوا إلى المكتبات!

الكلمات الدالة