الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 28 °

اعتداءات المسجد الأقصى، ماذا بعد؟

المصدر: " ا ف ب"
ناصيف حتي
Bookmark
اعتداءات المسجد الأقصى، ماذا بعد؟
اعتداءات المسجد الأقصى، ماذا بعد؟
A+ A-

مخاطر هذه السياسة فيما لو استمرت دون رادع، ولا يوجد اي رادع فعلي في الأفق، أنها تجعل السلام في المستقبل حتى البعيد أمراً مستحيلاً. السلام الذي هو اليوم أمر غير ممكن ومستبعد كلياً نظراً لموازين القوى الحاكمة للنزاع وللوضع الفلسطيني القائم ولتغيّر الأولويات العربية.  

جملة من الأسباب تدفع بهذا الاتجاه. أولها دون شك، الوضع السياسي والتنظيمي الفلسطيني الغارق في صراعات الداخل وصراعات البيت الواحد والأسير لصراعات الخارج العربي والاقليمي. وصرنا اليوم قادرين على اسقاط نموذج اللبننة على الحالة الفلسطينية. فلا وجود فاعل حالياً للطرف الفلسطيني القادر والمؤثر والحامل لرؤيا ولاستراتيجية لتغيير هذا الواقع القائم الذي يزداد بؤساً وتهميشاً ذاتياً ومأساة يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني.

ثانياً: الوضع العربي الغارق في صراعات باردة وبالواسطة، عربية واقليمية ودولية تحكمها أولويات لا توجد على لائحتها القضية الفلسطينية، انما يجري تذكّر هذه الأخيرة بشكل مراسمي وموسمي في الاجتماعات العربية على كافة المستويات وفي خطاب يتسم بالتحذير والمطالبة والمناشدة.

ثالثاً: قيل الكثير عن استعداد اميركي لاعادة اطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية هذا الصيف، منذ وصول ترامب الى سدة الرئاسة. وقد مرّ الصيف ولم تظهر أي بوادر في هذا الاتجاه. قيل ان المقاربة الاميركية ستقوم على وضع مبادرة السلام العربية رأساً على عقب، كأن نبدأ بالتطبيع الاقليمي العربي الاسرائيلي التدرجي ولو المحدود بغية خدمة الاهداف الاستراتيجية الاميركية في المنطقة في الطريق الى السلام الفلسطيني الاسرائيلي، دون ان تلحظ "المبادرة الاميركية" الموعودة اي مرجعيات دولية معروفة واي اطار زمني ودون تحديد الهدف النهائي للمفاوضات. وبالطبع لم تقلع هذه المبادرة بعد مع اعتراف اكثر من مسؤول اميركي بصعوبة الاوضاع التي تحول او تعرقل من اطلاق هذه المبادرة.

رابعاً: الخوف اليوم، كل الخوف، في زمن تصاعد الايديولوجيات الدينية المتطرفة والمتشددة والاستئصالية التي تتغذى وتدعم شرعيتها من خلال التركيز على مخاطر خطاب الآخر المتشدد وابلسته، الخوف من ان يخطف صدام الأوصوليات المنتشر والذي يتغذى كما اشرنا على خطاب وسياسات الاصوليتين الدينية والمدنية الاسرائيلية من تشويه القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرير وطني الى مسألة صدام ديني في مناخ الاصوليات الناشطة. 

خامساً: تفادياً لمزيد من تفكك وتفتت القضية الفلسطينية سياسياً وتنظيمياً والتداعيات السلبية الكبيرة لذلك سواء على المستوى الفلسطيني بشكل مباشر أو على المستوى العربي لاحقاً، المطلوب اعطاء الأولوية القصوى لاعادة بناء التوافق الوطني الفلسطيني. توافق يقوم على استراتيجية وطنية فلسطينية هادفة، وعلى بناء سياج سياسي عربي داعم وفاعل لهذه الاستراتيجية. قد يقول البعض ان هذه أحلام او أوهام. ولكن مع ازدياد التوتر وغياب اي افق فعلي وواقعي لانهاء الاحتلال وفي ظل المعطيات القائمة التي تدعم سياسة تكريس الاحتلال من خلال اجراء التحولات المطلوبة في هذا الصدد على الارض من طرف اسرائيل. واذا لم يتم كسر الجمود عبر تحرك دبلوماسي وسياسي جدي للتسوية شرطه الرئيسي ما اشرنا اليه فلسطينياً وعربياً، فسنجد انفسنا امام احتمال كبير لاندلاع انتفاضة ثالثة. ولنتذكر ان الانتفاضة الثانية انطلقت من المسجد الاقصى بعد "زيارة" ارييل شارون حين ذاك. ولم تعد تجدي سياسة احتواء الحرائق ومحاولة منع تمددها. الانتفاضة اذا حصلت هذه المرة ستكون ايضاً ضد المؤسسة السياسية والتنظيمية الفلسطينية الغارقة في انقساماتها السياسية والشخصية والعقائدية الحادة، مما ادى الى حدوث شبه فراغ مرجعي. فنحن نعيش نهاية حقبة من وعود وخيبات امل متكررة وقد تأخذ الانتفاضة طابعاً عنفياً وتجعل من الوضع الفلسطيني مفتوحاً على كافة الاحتمالات والسيناريوهات، مما يهدد باعادة خلط الاوراق وضخ مزيد من التوتر والراديكالية في شرق أوسط متفجر.

الكلمات الدالة