السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 29 °

باريس لا ترضخ للموت... باريس تصطاف على ضفاف السين

المصدر: " ا ف ب"
كاتيا الطويل- باريس
باريس لا ترضخ للموت... باريس تصطاف على ضفاف السين
باريس لا ترضخ للموت... باريس تصطاف على ضفاف السين
A+ A-

#باريس لا تموت. #الإرهاب الذي حاول أمس الإثنين أن يضرب الجادّة الباريسية العظمى، لم يُثن أهل المدينة عن طلب الحرية والبحبوحة والرفاه والشمس. ففي وقت كانت جادّة الشانزيليزه تلملم آثار الاعتداء البربري، وتداوي جروحها بكبرياء، كانت الحياة تعلن تحدي الموت من على جسور المدينة، المترامية على نهر السين. شبّان، وشابات، وكهول، وعجائز، جميعهم كانوا هناك ليشهدوا للحياة التي لا ترضخ للموت. 

قصّة حبّ عتيقة غنّاها الشعراء والفنّانون منذ القدم، قصّة حبّ باريس ونهرها الخالد السين. نهر كسول يتمطّى في سريره اللولبيّ ويبثّ الروح والحياة في عروق باريس. شباب أبديّ يلفّ مدينة باريس ونهرها المحبوب السين ويعيد صدى ضحكات قرون بعيدة. مدينة ونهر وإلهة ومئات القصص والخرافات تنسلّ على ضفاف نهر أعطى مدينته المدنيّة والرفاهيّة والمخمليّة التي تحسدها عليها عواصم أوروبّا كلّها. \r\n

من فانيسّا بارادي مرورًا بجاك بيرفير وجاكلين فرنسوا مغنّون كثر غنّوا نهر السين وتغنّوا به وبإلهته سيكوانا (Séquana). غنّوا لإلهة معطاء جالسة على عرش مائيّ يمتدّ على 777كلم مرورًا بباريس. غنّوا لنهر شابَ لا يزال يدور منذ قرون على أبواب مدينة الأساطير والحكايا.

\r\n

سبعة وثلاثون جسرًا باريسيًّا تمدّ أذرعتها من الضفة اليسرى إلى الضفّة اليمنى من نهر السين، من ضفّة الشعراء والمفكّرين والأريستوقراطيين إلى الضفّة اليمنى التي تغار من الأولى وتحسدها على بولفار سان ميشال وبولفار سان جيرمان والحيّ اللاتينيّ والسوربون. ضفّتان وتاريخ من الحروب والثورات والملوك والملكات والعشّاق الذين مرّوا بنهر السين وتسامروا معه. جسور عرفها التاريخ ومجّدها،pont neuf, pont alexandre III, pont des arts، وغيرها الكثير لا تزال آثار العشّاق والزوّار محفورة عليها. لا يزال قمر جو داسان يلتفت إليها بحنان وحبّ، \r\n

باريس غير متوقّعة. في الصيف كما في الشتاء. تفاجئ أهلها بحرارتها المرتفعة بعدما قرّصت عظامهم ببردها الزمهريريّ. ومن احتمل برد شباط يستحقّ أن يستمتع بشمس حزيران. من تجمّدت عظامه في آذار لا بدّ من أن يعيد إحياءها متى سنحت الفرصة. وليست الفرص سانحة دومًا. فقلّة قليلة من الأيّام تتيح لباريس فرصة الاستحمام بخيوط الشمس. وعندما تبلّل الشمس ضفاف السين، يرتفع حلّ واحد في الأفق ويتجسّد حلمًا أمام الجموع التعبة المنهكة. حلّ واحد تتهافت عليه الجموع الباريسيّة الراكضة خلف الشمس والانتعاش: نهر السين.

على ضفاف السين أناسٌ جميعهم هنا من الشمس والماء والنسمات العليلة المختالة. امرأة مع كرسيها وقبّعتها تقرأ بهدوء وتزجر الشبّان الجالسين بقربها كلّما ارتفعت أصواتهم. شلّة من الأصدقاء يجلسون على قطعة قماش ملوّنة عليها قناني النبيذ والبيرة وضروب من الجبنة والمخلّلات. شلّة أخرى تلتفّ حول أحدهم وهو يعزف على آلته أجمل الأغاني العتيقة. شلّة أخرى في البعيد تراقب البواخر المارّة وتلوّح للسياح المذهولين أمام مدينة لويس الرابع عشر.

شمس باريس هنا. مقتصدة بدفئها إنّما هنا. متى ارتفعت في السماء ما انخفضت قبل العاشرة مساء. متى حضرت محت كلّما هو بعيد عنها. \r\n

يصطفّ الباريسيّون على ضفاف نهرهم العزيز. ضحكات من هنا وهناك، قهقهات، رقصات، موسيقى، فساتين قصيرة ملوّنة، رجال يركضون عراة الصدور، شباب يتبارون بلعبهم وأجسامهم وعضلاتهم البيضاء الخجول. ويحلّ الليل من دون أن يشبع الباريسيّون من السين. من دون أن يرووا غليلهم. يبقون سهرانين قرب نهرهم المحبوب وقناني البيرة تتقافز بين أيديهم. يحلّ منتصف الليل سريعًا قبل أن يتنبّهوا. عندما تدقّ ساعة كاتدرائيّة نوتردام يصرخ ساهرو الضفة اليسرى إلى أهل الضفّة المواجهة je t’aime. ثمّ يصرخ ساهرو اليمين إلى ساهري اليسار والسين في الوسط يسير بمخمليّة صامتة، يراقب أهل باريس ويكمل طريقه بهدوء. كم من الوجوه مرّت به! كم من الضحكات والقبلات والعناقات والرقصات! يحفرون أسماءهم، يعلّقون أوراقًا وغلالاً وكلمات على ضفافه، يتركون بغرور آثارًا واهية يمحوها الزمن. يظنّون أنّهم أبديّون. يظنّون أنّ الزمن سيرأف بهم. لكنّ نهر السين يهزأ بهم ويكمل سيره. وحدها باريس تبقى. يغازلها كلّ مساء ويتركها لتغفو على صوت مياهه العتيقة. وحدها باريس تبقى!\r\n

الكلمات الدالة