يوم قررتْ الرحيل، لم تكن تملك الخيار. القصف يشتدّ، عمليات الخطف والقتل في ازدياد مستمر. رائحة الموت تفوح من كل الحارات والزوايا. أصدقاء كثر ماتوا. آخرون لا يعرف أحد عنهم شيئاً: أما زالوا أحياء أم أن آلة القتل ابتلعتهم أيضاً؟ كل العائلة حسمت أمرها. لا يمكنها أن تبقى وحيدة هنا. كل العائلة كانت تريد - وبأي ثمن - الهرب من الجحيم الذي اختبرته على الأرض. كلهم كانوا يحلمون بالرحيل... إلاّ هي.
لم تكن تريد الهرب. اعتادت طعم المرارة الذي أصبح يلازمها منذ أشهر طويلة. مهما اشتدّ الأمر سوءاً، فإنّ صوتاً داخلياً كان يطلب منها أن تبقى. كانت تريد البقاء في مدينتها، في الشوارع التي كبرت فيها، وسط أناس يعرفونها وتعرفهم، يشبهونها وتشبههم. نعم، كانت تخجل منهم. فكيف سيبقون هنا، فيما هي ستتركهم وترحل؟!
إخوتها كانوا يسخرون منها حيناً، ويصبّون جام غضبهم عليها أحياناً. في نظرهم، لا مكان لكل هذه الشاعرية في قلب معركة مفصليّة تتعلَّق بمسألة مصير، بحياة أو موت. أما في نظرها، فلا حياة لها خارج عالمها الذي أصبحت جزءاً منه، وبات جزءاً منها.
يوم الرحيل، وعلى رأس الشارع، كان أولاد الحي يلعبون. هل هم أجرأ منها؟ أم أنَّ الحياة لم تعطهم فرصة ثانية كما فعلت معها؟
الإجابة تبدو مستحيلة في تلك اللحظة. ترى، ما الذي يخفيه لهم الغد؟ تحزن عليهم لأنهم لم يختبروا حلو الأيام في المدينة التي يبدو أنها لن تتخلَّص من وجعها في القريب العاجل.
ترى، ما الذي تحمله لهم السنوات المقبلة؟ المدينة التي يكبرون فيها، هل سيستطيعون بناءها من جديد؟ هل سيكونون قادرين أساساً على غسل كل الدم الذي شربته أرضها، وعلى إزالة كل الأنقاض التي أنهكت هذه الأرض؟ وإذا نعم، فعلى أيِّ أسس؟ جيلها خاض الحرب ودخل مستنقع الاقتتال الأهلي الرهيب، فيما لم يختبر كل ذلك العنف في طفولته ... فكيف سيكون حال أولاد، يكبرون داخل هذا النفق الدموي الأسود؟
مرّت سنتان. أولاد الحي ما زالوا في مكانهم. عددهم قلَّ، لكنهم ما زالوا يلعبون. أما هي، فتعيش اليوم في لوس أنجلس. منزلها لا يبعد عن "الداون تاون" سوى ربع ساعة. عملها جيّد. حياتها آمنة ومنظّمة، فيما رائحة الموت لا تفوح إلاّ من الشاشة التي ترصد أخبار بلدها. حياتها هانئة، لكنها رتيبة وموحشة... سطحيّة وبلا نكهة، تعيشها على الهامش.
تقرأ عن أحد مواطنيها الذي وصل قبل أيام إلى بلاد العم سام. يكتب على حسابه الخاص على "تويتر" – بشيء من الفرح والإستغراب وكأنه أصبح على سطح القمر – عن الخيار الصائب الذي اتّخذه حين قرر مغادرة بلده. يكتب عن ابنه الصغير الذي بدأ باكتساب أول حقوقه مذ وطأت قدماه البلد الجديد. يتحدّث عن مفهوم الوطن الذي ننتمي إليه حين يحترم حقوقنا ويطالبنا بعدها بواجبات. تقرأ بمرارة. مرارة مزدوجة حيال وطن أول مشتهى لكنّه ينزف، ووطن ثانٍ لا تستطيع الإنتماء إليه.
بين الحنين والسعي إلى الإستقرار... مجموعة أسئلة، قد يصعب الإجابة عنها إلاّ من قبل مَن نجح في تجاوز الإمتحان، وفي تغليب هذه الكفّة أو تلك على الأخرى. أما مَن بقي يعيش حائراً بين البقاء والرحيل ... فربما سيقضي عمره تائهاً وسط هذا الصراع!
[email protected]
Twitter: @moussa_georges
نبض