أراها كلّ صباح، خلال النهار، وقبيل حلول الظلام، عند أسفل الشارع، في الحيّ القريب من بيتنا، في الأشرفية.
هي، على الأرجح، فتاة في الثامنة عشرة من عمرها تقريباً، تحمل على يديها طفلاً صغيراً، في الثانية من عمره، ليس واضحاً إن كان صبياً أم بنتاً. ربما وليدها، شقيقها، أو شقيقتها. لستُ أدري.
تقف هناك، عند الناصية، لتستعطي حيناً، وأحياناً لتعبر خفيفةً بجسمها الهزيل، لكن الجميل، بوجهها الأسمر الحزين، وبعينيها السوداوين الجارحتين، وبثيابها الرثّة المهملة، ذاهبةً إلى مصيرها المجهول.
عندما أنزل إلى الشارع، في طريقي إلى العمل أو إلى الجامعة، ولا أجدها هناك، يحملني العجب، وأحياناً يستولي عليَّ القلق. أين هي هذه الفتاة؟ إلى أين تذهب؟ ومع مَن؟
لقد أصبحت فاتن، وهذا هو الإسم الذي أحببتُ أن أُطلِقه عليها، بسبب جمالها الفاتر والكئيب، جزءاً أساسياً من المشهد اليومي، حتى لأشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً بالفعل، عندما لا أراها وهي تسند الحائط، أو يسندها الحائط، في ناصية الشارع.
أمس، على عادتها كل يوم، كانت تقف في المكان نفسه، فوجدتُني من غير قصد، أقترب منها، محاوِلةً أن أستدرجها إلى حوار عابر، لأسألها عن حياتها وأحوالها وعن الطفل الذي تحمله.
في اللحظة التي هممتُ بطرح التحية عليها، اقتربتْ منها سيارةٌ شبابية مكشوفة، في داخلها شابٌ من جيل اليوم. سؤال وردّ جواب، ثم صعدت إلى جانبه في السيارة، ومعها الطفل، لكنْ لستُ أدري إلى أين.
الأرجح أنها مسألة فتنة، أو منحة مالية عابرة، تتكرر وتستعاد كل يوم، على غرار وجهها الكئيب الفاتن.
نبض