السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 26 °

مات مروان بالرضى والتسليم

المصدر: " ا ف ب"
جوزف باسيل
مات مروان بالرضى والتسليم
مات مروان بالرضى والتسليم
A+ A-

مات صديقي مروان قرضاب حتف أنفه، وإن بالرضى والتسليم. رحل مرغماً! كلنا نموت مرغمين، لو عادت إلينا لما رحلنا. ولأن الحياة كانت ما زالت "بتلبقلو"، فما هو شبع منها، ولا هي شبعت منه، ولأنه كان قادراً على إعطائها أكثر، وكان في استطاعتها أن تستقبله أكثر.
مات خارج سياق الموت حالياً على فراش في مستشفى، وليس "حريقاً أو غريقاً أو مشرحطاً على طريق". يوم قيلت هذه المقولة لم تكن بدعة الموت تفجيراً قد درجت بعد. وكانت الحروب تودي بالمقاتلين في ساحات الوغى وليس بالابرياء في منازلهم وشوارعهم.
مات تحوطه عائلته، بوجع وألم وقلق وخوف، ولكن بالتسليم لإرادة المطلق، الذي لا يشكر على مكروه سواه. عائلته قريبة منه، كما كان دوماً قريباً منها، جمانة ومريان ومجد، أجنحته التي حلّق بها دائماً الى العلى.
بات بالمرض الذي يعايش كل عائلة في لبنان، فيسمّم حياتها قبل أن يسمّم حياة المريض، ويشلّ قدراتها قبل أن يشل قدراته، ويستنفد مقدّراتها. المرض يقاوم العلاجات ويعصى على الأطباء، والوقاية منه في بلادنا غير مجدية، بدءاً ببيئاته الحاضنة، وعلى رأسها التلوث والفساد.
كان يمارس فعل الإرادة في شؤون حياته، وفي مساراتها اليومية، ويفرح بخياراته الفكرية على طريقة معلمه كمال جنبلاط، من اليوغا الى الصوم لقهر الجسد وتحرير النفس، لكن الارادة خضعت عاجزة أمام الإرادة الكبرى التي لا تردّ، لعله بمحاولاته تلك كان يحضّر نفسه للقميص الثاني.
كان يجاهر بانتمائه الى 14 آذار، لكنه لم يكن يخاصم من هم في الجهة المقابلة، وليس بالضرورة جهة 8 آذار، لكن من كان يزورهم أو يحاورهم لم يكونوا من 14 آذار، وبعضهم ضدها بلون فاقع، فكانت هذه الحوارات تغني فكره كي يكتب المقالات، بل أكثر من ذلك تشكّل له متعة فكرية قادرة على "تقويم" حياته الماضية.
المقاتل في الحرب جنح الى السلم بجناحين: وحدة لبنان ووحدة اللبنانيين. وحطّ بأحد جناحيه في تنورين وبسكنتا، ولم يكن غريباً فيهما، وربما في غيرهما، حيث عرّفني الى كرام هناك. وبالجناح الآخر حطّ في تظاهرة 14 آذار 2005 ولم يخرج منها. لم يكن موارباً ولا مخاتلاً، فهو ما هو عليه، لكنه منفتح على الآخر ملء يديه وقلبه وفكره، حاملاً معه ذخره من كتابات كمال جنبلاط، ثم مقالاته التي جمعها في كتاب.
كنت استغرب طريقته في المبادرة، فهو لا يتورّع عن طرق أي باب، والدخول الى أي مكان... دخوله بودٍ واقناع وسلاسة يشابه سيطرة النعاس. كان يأخذ على عاتقه بتلقائية ودون تلكؤ اي أمر يرى فيك حاجة اليه. لا شيء يفلّ عزيمته، وهو على فراش المرض أصرّ أن يكتب. لعل مبادرته في الحياة تفتح أمامه الطريق الى مجد لا يزول.

[email protected]