عاصفة نادرة تضرب ألاسكا

Stabilizer
Smaller Bigger

"كانت دموعها تكفي لاثنين. بل لشعب يمضي في متاهة"
فاروق يوسف


كان الشرق الأوسط في الماضي ينتظر انتخابات الرئاسة الأميركية لعل القادم الجديد يغيّر في سياسة البيت الأبيض وتالياً في وضع المنطقة. وكان الانتظار سراباً. ولم يكن أحد يترقّب تغيّر صاحب الكرملين لأن معه لا يتغيّر شيء. وقد ظلّ أندريه غروميكو وزيراً للخارجية نحو ثلاثة عقود، مكتفيا بأن يقول "لا" لكل شيء، من دون الاضطرار إلى المراجعة في الأمر. وعندما كتب مذكراته في صفحات قليلة أخبرنا عن متعته عندما كان يشتري الهدايا لزوجته من عند "ميسيس"، نيويورك.
منذ أن تمدّد النفوذ الإيراني عبر العراق والخليج وصولاً إلى لبنان وسوريا على المتوسط، صارت المتغيّرات السياسية في طهران مؤشراً لتغيّر مناخات المنطقة وانفراجاتها وتوتراتها. لم تعد إيران في "بلاد فارس" بل أصبحت، بمفاهيمها ومظاهرها، في جنوب بيروت وجنوب لبنان وقلب دمشق. ولم يعد الاندفاع السياسي والديني محصوراً في آسيا بل تعداها إلى افريقيا وأميركا اللاتينية. وزاد في المواجهة والتوتر إصرار إيران على مشروعها النووي، وهو سلاح سياسي لا عسكري، لأن استخدامه لا يوفر صاحبه، وربما لا يوفر سائر المسكونة.
أهمية الانتخابات الرئاسية الإيرانية ليست في شخصية الفائز بل في قرار الناخب. أكثرية تختار الاعتدال بعد دورتين من محمود أحمدي نجاد ازدادت خلالهما عزلة طهران، وتدهورت علاقاتها في مدارها الإسلامي وجوارها العربي. النظام الإيراني ليس نظاماً رئاسياً مثل أميركا أو فرنسا بل هو نظام ديني قوته الأساسية في تراتبية آيات الله وقرار المرشد، أي إن أي تغيير جذري ليس آنياً ولا حتمياً. الالتزام في سوريا قد لا يتغيّر. والقرار النووي أيضاً. ولكن هناك ما هو أهم من ذلك بكثير. فالرئيس الاعتدالي، ممثلاً بأكثرية مواطنيه، قد يحدّ من تفاقم الصراع المذهبي الذي يهدّد العالم الإسلامي بما هو أكثر تدميراً وهولاً من الانفجار النووي، الذي يدمِّر الناس حاراً ويرمِّد الأرض بارداً.
الفارق الجوهري بين المهندس أحمدي نجاد ورجل الدين حسن روحاني أن الثاني منفتح على الحياة المدنية. وهو يجيد ست لغات أوروبية يتعرّف بها على حضارات الآخرين، ويفاوض بها حول مصالح إيران.
اللافت أن الشيخ حسن روحاني كان رئيساً للمخابرات، فهل يمكن أن نتوقع من رجل أمن انفتاحاً ديموقراطيا؟ يجب ألا ننسى أن الذي فتح باب الحريات في الاتحاد السوفياتي لم يكن ميخائيل غورباتشيوف بل يوري أندروبوف، رئيس الـ "كي. جي. بي." هو من رأى، من موقعه، عقم النظام الأمني واقتراب الانفجار.
عندما كانت بيوتنا صغيرة وكهرباء العاصمة مدار اليوم، لم تكن المنازل تحتاج إلى آلة إضافية تسمى Stabilizer، أو "موازِن". ولكن في زمن الاختلال والتوتر العالي والواطي، لم تعد المحركات الإضافية وحدها تكفي، لأن الخلل يؤدي إلى الحرائق. الخلل في الطبيعة، والخلل في الآلة، والخلل في الجسم، يفضي إلى كوارث. هل ثمة أمل في الخروج من هوَس التوتر إلى مرحلة الموازنين؟ كأن تغيّر طهران دعماً لسنّ التوازن والاعتدال في لبنان، ممثلاً بميشال سليمان ونبيه بري ونجيب ميقاتي ووليد جنبلاط ومن معهم من أكثرية وسطية توفيقية لا يسمعها أعلياء الصوت.
كان تيتوس انطونيوس(1) (التقي) من أفاضل أباطرة روما (القرن الثاني ميلادي) ولما جاءه النزع قرّر أن يسلّم ابنه المتبنّى ماركوس أوريليوس الحكم. فاستدعاه قائلاً كلمة واحدة: "الاتزان"! Aeguanimitas. لم يستطع الإنسان ابتكار قاعدة أفضل للحياة، منذ أيام روما. فأي خلل يخرِّب أي جسم ويوقف أي آلة. هنيئاً للشعوب التي تعيش بالحكمة، فإننا في خلل عميم.
هل يعرف كارهو الاعتدال دولة سوية تعيش من دونه؟ النمسا؟ أسوج؟ ماليزيا؟ أندونيسيا ما بعد سوهارتو وروائح فساده؟ الاعتدال يناسب الناس، ويعطّل تجارة السياسة.
عندما خاطب كمال جنبلاط حضور "الندوة اللبنانية" عام 1946(2) بدأ بالقول: "كنت أتمنى لو كتبت على باب هذا المكان: لا يُقبَل السياسيون في هذه الندوة". مقلداً في ذلك قول أفلاطون "لا يُقبَل الشعراء في هذه الجمهورية". وأبان جنبلاط شيئاً من مكونات الدين الدرزي ثم روى أن "ثمة أسطورة في غاية الروعة والجمال ترجع إلى اليوم الذي خلق فيه مولانا العقل الذي منه انبثقت في ما بعد الكائنات. قال: فنظر العقل إلى نفسه فزها وتباهى. فخاف الله عليه عاقبة الزهو. فخلق له الضد بين يديه. والضد هو أساس الشر في العالم".
قال جورج نقاش جملته الشهيرة: الوطن لا يقوم على مكوّنين سلبيين. هذا كان في البداية. الآن أصبحنا مجموعة أضداد، والضدّ مصدر الشر، في تعاليم الحكمة. المتغطرسون يرفضون ثقافة الالتقاء لأنها غير مجدية. الغوغاء والديموغاجية والرفض والتسخيف دائماً تؤتى ثمارها الصناعية. لكن الثمار الحقيقية لا يعطيها الجدب والجفاف.
ما هو مدى الأفق الذي سيفتح في طهران، او بالأحرى في قمْ؟ لا أحد يستطيع أن يبني على المستقبل. ولكن إذا كانت شواهد الماضي قائمة، وكان حسن روحاني مزيجاً من براغماتية هاشمي رفسنجاني وانفتاحات محمد خاتمي، فلا يمكن إلا أن نتوقع شيئاً من تراجع الغليان في هذا الشرق المعتلّ بأمراضه القديمة. لم يستطع خاتمي أن يفعل الكثير خلال ولايتيه. طوَّقه المتشددون واضطهدوا إصلاحييه ووزّعوهم على السجون. لكن صوت الاعتدال الإيراني ظلّ مسموعاً في العالم. لقد هزم روحاني في الانتخابات خمسة من المرشحين المحافظين.
هناك ناخبان في صيغة كصيغة الجمهورية الإسلامية: قوي وأقوى. مواطن يختار ويقترع ويعبّر عن رغبته، ونظام يقرّر ويعبّر عن إرادته. الناخب يعبّر عن محدوديته الأرضية. وآية الله يعبّر عن السماء والأرض معاً. هناك دائماً شيء من إله في الحاكم، يُدركه المواطنون ويُدركون أنهم دون ذلك أبداً.
تحدث روحاني عن "الاعتدال" فيما اللهب هو السائد. السفير غضنفر ركن أبادي يصف قرار أميركا بتسليح المعارضة السورية "بأنه أسوأ خطأ ارتكبه رئيس أميركي في التاريخ". أي حتى أسوأ من قرار هاري ترومان أن يكون هو أول من يعترف بإسرائيل. ما يراه الآخرون مستنقعاً غرقت فيه إيران، يراه النظام درب العزّ. علينا أن ننتظر قليلاً لنعرف كيف يرى حسن روحاني وناخبوه، انغماس بلادهم في حرب لم يحتج ضحاياها، من الفريقين، إلى قنبلة نووية، لكي يتعدّوا المئة ألف، 6% منهم أطفال. عدا الأطفال الذين جُنِّدوا للقتال، كما فعل تشارلز تايلور في ليبيريا وفوداي سنكوح في سييراليون، بمباركة وتمويل من صاحب "الكتاب الأخضر" وملك ملوك إفريقيا.
السياسة تبدّل في الناس. محمود أحمدي نجاد كان يرتدي ثوب الكنّاسين عندما كان رئيس بلدية طهران. وعندما انتخب رئيساً ظهَر في سترة رياضية صنع تايوان ورفض الانتقال إلى القصر. ثم انتقل. وارتدى طقماً رئاسياً. وعاش الرئاسة كما ينبغي. لكن التغيير الأهم ليس فوز روحاني وإنما نهاية مرحلة أحمدي نجاد الذي أصبح رئيساً سابقاً.



(1) أبطال من التاريخ، ويل ديورانت، دار الكتاب العربي.
(2) عهد الندوة اللبنانية، دار "النهار".

الأكثر قراءة

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/6/2026 4:58:00 PM
كانت المناسبة مميزة، وتضمنت العديد من اللحظات السعيدة والتقليدية
فن ومشاهير 6/8/2026 12:00:00 PM
تفاصيل مفاجئة حول إلقاء القبض على الإعلامية المصرية جولي أمين داخل إدارة المرور أثناء محاولتها نقل ملكية سيارة تابعة لصبري نخنوخ، وتطورات التحقيقات في القضية.