من السذاجة الاعتقاد أن التفجيرات الأمنية المتنقلة شمالاً وجنوباً وبقاعاً، والتي حطّت رحالها أمس في عبرا شرق صيدا، هي وليدة المصادفة. ولا يكتشف جديداً من يتحدث عن مخطط جهنمي لاشعال الفتنة و"لاستدراج" تداعيات الحرب السورية الى لبنان.
وأياً يكن الواقع القانوني والدستوري للحكومة او للمؤسسات العسكرية والامنية، فليس من المبالغة السؤال عما اذا كان الوضع الاستثنائي والخطير الذي تمر به البلاد يستحق اجتماعاً طارئاً لمجلس الوزراء – وان تكن الحكومة، حكومة تصريف اعمال - او اجتماعاً طارئاً للمجلس الأعلى للدفاع، بل حتى لهيئة الحوار الوطني، ودائماً تحت عنوان الخطوات المطلوبة والفورية لحماية الناس ومنع الفتنة؟
وبمعزل عن التردي الحاصل على المستوى الاقتصادي، فإن ثمة اجماعاً على الاعتراف بأن الاوضاع بلغت من الخطورة درجة لم تشهدها البلاد في اصعب الظروف، وهذا ما يستدعي تساؤلات مماثلة وموجّهة حصراً الى القيادات السياسية والحزبية على اختلافها، ويمكن اختصارها بالسؤال عما تنتظر تلك القيادات لضبط السلاح والى أين يمكن ان تتطور التفجيرات الامنية المتنقلة سوى الى مزيد من الشيء نفسه، وصولاً الى الخراب الشامل".
يطرح مرجع سياسي تلك التساؤلات ليخلص الى دعوة "القيادات السياسية والحزبية وكل التنظيمات المسلحة، الى ترك خلافاتها جانباً والعمل على عنوان واحد لا يختلف عليه اثنان، وهو: كيف السبيل الى حماية ارواح الناس ومنع الفتنة؟ إلا إذا كان بعضها متورطاً في مكان ما وان بغض الطرف والمكابرة وتجاهل خطورة الوضع!" ثم يسأل: "ألا يوجد قاسم مشترك واحد بين القوى السياسية والحزبية المسلحة، أقله حول حماية البلاد من اخطار لن يكون وقودها سوى المواطن الاعزل؟ في كل بلدان العالم يلتقى ألدّ الخصوم عندما يجمعهم قاسم مشترك واحد، ولا سيما عندما يكون طابعه انسانياً. ألا يعتقد قادة هذه القوى والاحزاب ان من واجبهم الاجتماع والتفاهم، وان استثنائياً ولمرة واحدة، أقله على حماية ناسهم وجماهيرهم التي طالما ابدوا حرصاً عليها في خطبهم الرنانة وبياناتهم؟".
ويلفت المرجع نفسه الى أن "عدم الاقدام على خطوات استثنائية، سواء من جهة الدولة أو القيادات الحزبية والسياسية، سيؤدي الى تصاعد الانفلاش وتهيئة الارض الخصبة للمخططات الاجرامية التي نشاهد عينات متنقلة منها، كل يوم تقريباً، وهؤلاء يتحملون مسؤولية تاريخية أمام الناس...”.
وفي رأيه ان "سياسة النأي بالنفس التي اتخذها لبنان شعاراً حيال الحرب السورية، كانت ولا تزال هي الأفضل شرط تطبيقها في الاتجاهين، اي ان ينأى اللبنانيون بأنفسهم عن التدخل في الشأن السوري، لا دفاعاً عن النظام، ولا دعماً للمعارضة المسلحة" وان "حزب الله يستطيع ان يضطلع بدور ايجابي إن هو أعلن وقف مشاركته في الحرب السورية" وان دخوله فيها "كان موضعياً ولأسباب استراتيجية تتعلق بحماية سلاح المقاومة وخطوط امدادها". ويلفت الى ان خطوة من هذا النوع من شأنها تحقيق اجواء انفراج تريح البلاد وتخفف اجواء التوتر على المستوى الشعبي، والتي بلغت ذروتها بعد اعلان الحزب "رسمياً" مشاركته في الحرب السورية. واذ يطرح الفكرة من موقع الصديق والداعم للمقاومة، فإنه يعترف بتدخلات عربية ودولية كثيرة في الحرب السورية، وليس "حزب الله" وحده، "ولكن حساسية الوضع في لبنان تستلزم موقفاً متميزاً من الحزب وخطوات جريئة من قيادته، وقد أدركت ولا شك، خطورة تداعيات التطورات السورية، ولا سيما بعد معارك القصير، على الاوضاع الداخلية في لبنان". ويرى في المذكرة التي قدمتها قوى 14 آذار الى رئيس الجمهورية ولا سيما في شقها المتعلق بمطالبة "حزب الله" بسحب مسلحيه من سوريا، خطوة اعتراضية وتعبيراً عن موقف سياسي. وكان لافتاً ان جهات ديبلوماسية وإعلامية اجنبية طرحت امس تساؤلات عن جدوى هذه المذكرة وعما في استطاعة رئيس الجمهورية أن يفعله!
"نعم في استطاعته ان يفعل الكثير. وهو يعمل ما في وسعه لإبعاد النار عن لبنان"، تقول اوساط قريبة من الرئاسة، وتجزم بأن المواقف التي اطلقها رئيس الجمهورية "لا يمكن أن يختلف عليها اثنان في لبنان"، وان "الحملة التي شنت عليه لم تكن مفاجئة وان مواقفه نابعة من حرص على المصلحة الوطنية العليا لا من اجل مآرب سياسية آنية او فئوية، وسيكتشف الجميع لاحقاً ان الدولة وحدها تشكل المظلة للبنانيين جميعاً".
نبض