الجمعة - 22 كانون الثاني 2021
بيروت 14 °

إعلان

نوادر وحكايات وزجليات جمعها باسيل من البترون

جوزف باسيل
A+ A-

البترون إحدى القرى الساحلية التاريخية التي صارت بلدة كبيرة تزهو بأصالتها وترفل بكل حديث وجديد، وفي الحالين هي ذات ذاكرة شعبية تعبر من الماضي إلى الحاضر بموروثات فكرية وأحداث ونوادر وطرائف لا تخلو منها قرية أو مدينة.
حاول أنطوان يوسف عساف الخوري باسيل أن يجمع في كتابه "البترون – نوادر الأحداث والأحاديث"، حكايات جرت أو أحداث تداولتها العامة من أخبار أو طرائف، وما ألقي من قصائد بالعامية أو الفصحى في مناسبات اجتماعية.
يقول باسيل إنها "محاولة متواضعة لحفظ الأحداث والنوادر الشعبية في البترون، قاصدين بها أخذ العبر والمثل من كل نادرة، بعيداً عن أي تجريح أو أذى. لذا عمدنا إلى إطلاق الأسماء المستعارة أو الألقاب على أبطال هذه النوادر، أكثر الأحيان حيث يجب، والهدف من ذلك ألاّ نتسبّب بأي كدر لأي شخص، وقد أعرضنا عن سرد الأحداث المؤلمة أو المحزنة التي حدثت في البترون على مراحل تاريخها للسبب نفسه".
اهتمت العرب بالأنساب فجعلتها تاريخها المروي، واهتم اللبنانيون بالحكايات والنوادر والطرائف فجعلوها تاريخهم المروي، ونظمت العرب الشعر فجعلته ديوانها وأدبها وتاريخها، وأنشد اللبنانيون الأزجال فجعلوها ديوانهم وسجّل أحداثهم وتاريخهم، لذلك كلما أحاق الخطر، لجأت العرب إلى ديوانها وأنسابها ولجأ اللبنانيون إلى أزجالهم ومرويّاتهم الشفهية، يتمثلون بها، وقلّما اعتبروا!
يعدّد باسيل أسماء العائلات البترونية ويقول إن الكثير منها "انقرض إمّا بفعل الوفاة أو الهجرة الى البلدان الأميركية التي احتضنت الكثير من العائلات البترونية أو بسبب الهجرة الداخلية وانقطاع العلاقة مع المدينة، أو حتى بسبب الأمراض التي ضربت المدينة في فترات عدة، كمرض الطاعون سنة 1842 ومرض الجدري بداية القرن العشرين، والذي عاد وانتشر مجدداً سنة 1906". ويقول فيليب حتي إن البترون خسرت في الحرب العالمية الأولى نصف سكانها بفعل الوفاة أو الهجرة.
ويعزا العدد الكبير لأسماء العائلات الى سمعان البيطار الغسطاوي الذي "شيّخه" الأمير يوسف الشهابي على بلاد البترون فعمّرها، ويقول باسيل: "لقد مثّل آل البيطار السلطة في بلاد البترون. كما أن سياستهم الاستيطانية هي التي تفسِّر توافر عائلات عديدة من غوسطا والبلدات الكسروانية الى مدينة البترون وبلادها".
والى جانب الأسماء هناك الألقاب والكنى، التي غلبت أحياناً على الأسماء، فاشتهرت بها. وقد ثبّت مختارو القرى بعض تلك الألقاب فغلّبوها على الشهرة. ويكون منشأ اللقب غالباً مهنة يمارسها صاحب العلاقة، أو سلوكاً معيّناً سلكه يوماً، أو للثغة في كلامه أو نسبه الى أسماء القرية التي تحدّر أو وفد منها. وسأورد بعض الألقاب الغريبة: أبو ريحة، الأزموز، الاوتو، الآوزط، الأوهايو، الأباراش، بوحفتوره، بوغاشتو، بوسيكونه، البرسفل، بلحوصه، التكّ، التبّا، التيّو، التأتوء، التسّا، الترتر، الخشبوش، الخن خن، ديشبون، دلموندو، الزلبوط، الشهبظنا، الصرصور، الصوتو، غلغول، فكا الله، الفبتال، القرنعوني، كوبلاي، كوبيس، اللاهوط، النوسو، الوقواق...
تعبّر أسماء أحياء البترون عن مواقع تاريخية قديمة أو تسميّات جغرافية أو ذات ارتباط بالمباني أو أسماء العائلات، مثلاً: وطابرّا، النوافيخ، المغاريق، جورة المغارة، مقلب بيادر الضيعة، مراح سابا، أرض أم الأولاد، جران فرعون، جبل عين إده، الناعورة، البلّانة، مار ساسين، مراح الشيخ، الحميريات، مار جريس، مار اسطفان، سيّدة الساحة، سيّدة البحر، تين الرمل، السور، الغلاغيلي، ساقية بطرس، بير الرامية، بير الكومسيون...
يقول باسيل إن بعض هذه الأحياء لم تعد معروفة اليوم لا إسماً ولا موقعاً، وليس هناك من المعمّرين من يتذكر مكانها.
ويروي حكايا منقولة من دفاتر انطوان ابرهيم (1889 – 1985) الذي أسّس صحيفة "الضمير" (1904) كان يخطّها شخصياً بيده ويرسلها إلى اللبنانيين في المهاجر تفادياً لملاحقة السلطات الحاكمة آنذاك.
الحكاية الأولى عن الخورأسقف يوسف الحداد الذي فاجأه مطران الارثوذكس بولس أبو عضل بدخول الكنيسة بغتة في أثناء القداس وداخل الكنيسة رهط من أبناء ملّته، فلم يرَ بداً من استقباله بالمراسيم البيعية المعتادة التي يستقبل بها مطراناً مارونياً مع معرفته بحظر هذا الاستقبال على غير المطارنة الموارنة. ونقل السعاة المخالفة الى البطريرك الياس الحويك، فانقطع الخوري عن زيارته. وبعد سبعة أشهر وفي أثناء انتقال البطريرك الى مصيفه في الديمان عرّج كالعادة على البترون، فكان لا بدّ للخورأسقف من زيارته فتوجّه وجلاً، "وما أن تقدّم للثم يد البطريرك وهو في حال من الارتباك حتى ابتسم له غبطته، ولعله كان شاعراً بسبب انقطاعه، وما ان همّ بابداء معذرته عما صدر منه حتى قاطعه غبطته، مبتسماً، ولم يدعه يكمل بقوله له: حسناً صنعت!".
ويروي أيضاً حكاية الفتاة اللعوب التي تجترح العجائب بعنوان "قديسة بطارية" – 1931، وهي تشبه بوقائعها فيلم "جاد" لجورج خباز.
وحكاية "محتال شهير" ما زالت تتكرر في كل زمان ومكان وبأشكال مختلفة ولم يتعظ الناس.
وينشر باسيل القصيدة التي نظمها المحامي انطون ابرهيم إثر نهاية الحرب العالمية الأولى وقدّمها الى المفوض السامي جورج بيكو لمناسبة زيارته البترون برفقة حبيب باشا السعد، وجرى استقبالهما في دار ابرهيم بك عقل في 30-11-1918. اضافة الى قصائد له ولوالده ولشعراء وزجّالين بترونيين في مناسبات مختلفة.
تمتاز الزجليات البترونية التي جمعها لميشال اسطفان جبرا الخباز بالعفوية ذات الحسّ الشعبي:
لا تقول العيشة ممرمرة ولا تقول الحالة مأخّرة
تعوّد عالأعظم يا اخي الحالة كل مالها لَوَرَا
تروي احدى الخبريات أن أحد الشبان قريب انطون كان اتكالياً الى حد كبير يأكل بشراهة وينام طويلاً، سأله أحد المهندسين: لماذا لا تتزوج؟ فأجاب أنه خاطب وسوف يتزوج قريباً. سأله: من وين خطيبتك؟ أجاب: من الجنوب!
فعاجله انطوان وسط ضحك الآخرين:
- أهل الجنوب شو معترين! ما بتكفيهم اسرائيل حتى جيت أنت تكمّل عليهم!


[email protected]

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم