الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 28 °

أي مصير لليمن في ظل الصراعات التاريخية المستمرة على السلطة؟

المصدر: " ا ف ب"
جوزف باسيل
A+ A-

حتى تعرف ما الذي يدور في اليمن حالياً، أو على الأقل تحاول، وقد لا تنجح، عليك أن تعرف ما حصل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كان يمنين: جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية في الجنوب وعاصمتها عدن، والجمهورية العربية اليمنية في الشمال وعاصمتها صنعاء... حتى التسعينيات حين توحّد اليمنان بقيادة علي عبدالله صالح، ولم تنتهِ الصراعات التاريخية ولا توقف الاقتتال.

\r\n

ثمة كتابان صدرا حديثاً يعرضان تجربتين شخصيتين عن اليمن في المرحلة الماضية، يمكن أن يفيدا من خلال تطور الأحداث في ما يجري في اليمن منذ خمس سنوات، وهما: "حرائق اليمن" لخيرالله خيرالله، (175 صفحة، الدار العربية للعلوم ناشرون) و"جنوب اليمن في حكم اليسار" لفواز طرابلسي (255 صفحة، دار رياض الريض).

\r\n

بين عدن وصنعاء ما صنع الحدّاد
اهتم خيرالله باليمن منذ زارها للمرة الأولى عام 1986، على إثر مقتلة المكتب السياسي للحزب الاشتراكي التي كانت مجتمعة في مقر اللجنة المركزية للحزب، وأدت الى مقتل علي عنتر نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع سابقاً، وصالح مصلح قاسم وزير الدفاع، وعلي شائع هادي. واتهم علي ناصر محمد رئيس الجمهورية بارتكاب المجزرة بيد مرافقه الذي قتل أيضاً، بغية تصفية خصومه. وأدى ذلك الى حرب داخلية في عدن، قبل أن يستقر الوضع على تسلم حيدر العطاس رئاسة هيئة مجلس رئاسة مجلس الشعب الأعلى أي صار رئيساً للدولة، وهو منصب أقل أهمية من منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي الذي تولاه علي سالم البيض الذي ما لبث أن فرض الوحدة الاندماجية على رفاقه عام 1990. أمّا علي ناصر ففرّ الى صنعاء، أي الى الرئيس اليمني الشمالي علي عبدالله صالح.
في ما يتعلق بالدور اللبناني في تلك الأحداث، كتب خيرالله أن جورج حاوي ونديم عبد الصمد "كانا يتآمران مع علي ناصر وشاركا معه في وضع خطة القضاء على خصومه".
أمّا في صنعاء، فإنّ الأحداث فيها بدأت عام 1977، حين اغتيل الرئيس اليمني الشمالي ابرهيم الحمدي وشقيقه عبدالله في ظروف غامضة، فخلفه المقدم أحمد حسين الغشمي الذي اغتيل أيضاً بعد سنة، بحقيبة مفخخة ارسلت اليه مع مبعوث خاص من "الرجل القوي في عدن سالم ربيع علي (سالمين)... فهل كان سالمين يريد الانتقام لمقتل الحمدي. وانتهز خصوم "سالمين" الحادث لقتله واحلال عبد الفتاح اسماعيل مكانه "بمساعدة الخبراء السوفيات الذين كانوا في اليمن الجنوبي".
وأدّى مقتل الغشمي الى انتخاب النواب قائد لواء تعز علي عبد الله صالح رئيساً، واستمر حكمه ثلاثة وثلاثين عاماً، حتى قامت الثورة عليه عام 2011. وهو انتقل من قائد دبابة الى قائد لواء تعز، ثم رئيساً للجمهورية. وهو الوحيد الذي بقي في الصورة منذ تلك الأيام.
ويقول خيرالله إن طريقة علي عبدالله صالح تقوم على "ممارسة لعبته المفضلة القائمة على التوازنات، وهي اللعبة التي انقلبت عليه لاحقاً عندما لعب ورقة الحوثيين في مرحلة ما بعد انتصاره في حرب الانفصال صيف عام 1994. كان هدف تلك الورقة اقامة توازنات جديدة، بعدما احتاج الى الاخوان المسلمين والسلفيين من أجل الانتصار في تلك الحرب... ولم يعد يريد البقاء تحت رحمتهم بمطالبهم الكبيرة، خصوصاً في السياسة الخارجية...
كان الحزب الاشتراكي حاجة لعلي عبدالله صالح، كذلك التجمع اليمني للإصلاح بقيادة عبدالله الاحمر. ولكن حين غاب الاشتراكي وخسر الحرب، ظهرت الحاجة الى قوى أخرى توازن مع الاصلاح الذي بدأ الاخوان المسلمون السيطرة عليه، في ظل صعود قوى سلفية يقودها الشيخ عبد المجيد الزنداني وآخرون، كانوا يسعون الى التمدد جنوباً وفرض نمط حياة جديد على أهل الجنوب، كذلك في المناطق الزيدية في الشمال".
مع انهيار جدار برلين وقرب سقوط الاتحاد السوفياتي الذي لم يعد مهتماً بعدن ذهب علي سالم البيض الرجل القوي في عدن الى الوحدة الاندماجية مع علي عبدالله صالح... وفي مرحلة ما بعد 1994 "لم تعد الصورة تتسع سوى لعلي عبدالله صالح الغاضب على البيض الذي صار مطلوباً من العدالة ومحكوماً بالاعدام، قبل أن يصدر عفو عنه وعن مجموعة من القادة الجنوبيين عام 2003، وفي تلك السنة كان قرار الحزب الاشتراكي برئاسة البيض معاودة الانفصال، على الرغم من توقيع "وثيقة العهد والاتفاق" في عمّان برعاية الملك حسين. ولم يجف حبر التوقيع حتى كانت الحرب قد اندلعت بين جيشي الشمال والجنوب في منطقة حرب سفيان من مديريات محافظة عمران.
وفي تموز تمكّن علي صالح من السيطرة على عدن والمكلان، وانتهت الحرب، وصار على صالح الاعتماد على توازنات مختلفة، خصوصاً أن الميليشيات الإسلامية التي اجتاحت عدن والمحافظات الجنوبية الى جانب الجيش النظامي راحت تعبث بالمدينة وبكل ما تقع يدها عليه على حساب ما بقي من مؤسسات الدولة المركزية. ومن بين ارتكابات تلك الميليشيات ازالة المزارات والمقامات الدينية للأولياء مسيئة الى تقاليد في المحافظات الجنوبية عمرها مئات السنين".
حلّ ظلم كبير بالجنوبيين بسبب الفساد وتسلّط بعض القيادات الشمالية، خصوصاً الضباط من منطقة سنحان والاحزاب الاسلامية. استولت هذه القيادات على أراضٍ ومنازل وفرضت نفسها شريكاً في أي مشروع، بما في ذلك المنطقة الحرة في عدن.
تغيّر الجنوب بعد حرب 1994، فأخذ المجتمع ينغلق على نفسه، بعدما زاد نفوذ الاحزاب الاسلامية مثل "الاصلاح"، وأخذت "القاعدة" تنشط في كل مكان، في ظل غض طرف من الأجهزة الأمنية. وهل من يلوم الجنوبيين على ثورتهم عام 2011؟
وقبل خمس سنوات من اندلاع الاحداث مطلع عام 2011 كان هناك ما يكفي من الدلائل على وجود من يطمح الى خلافة علي عبدالله صالح الذي كان بدوره يهيئ ابنه للرئاسة.
كان علي عبدالله صالح وراء صعود الحوثيين، فهو الذي فتح لهم طريق ايران و"حزب الله"، وعندما وجد ان ايران استوعبتهم ولم يعودوا في جيبه شنّ عليهم ست حروب، فاحتواهم ولم يهزمهم، لكنهما عادا الى التحالف بعد انطلاق الانتفاضات سنة 2011، إذ فك الحصار عنهم فأخذوا يتمدّدون حتى وصلوا الى صنعاء.
يصعب التكهن بمصير اليمن، لكن ما يبدو أكيداً انه "يصعب بقاء اليمن موحداً بصرف النظر عن النتائج التي ستفضي اليها "عاصفة الحزم" التي هي ردّ على وضع الحوثيين يدهم ومن خلفهم ايران على اليمن". وصار السؤال: هل تصبح الاقاليم الستة دولاً مستقلة؟
يقول خيرالله: "اليمن الذي عرفناه انتهى. ما الشكل الجديد للدولة، بل لليمن كله كدولة؟".

\r\n

صراعات الجنوب عمّت اليمن
أما طرابلسي، فيعرض في كتابه شهادة شخصية على حكم اليسار في الجمهورية الجنوبية الذي رافقته دورات عنف أفدحها أحداث 13 يناير 1986، "العنف الذي وإن تغذّى بالاحتقانات الاجتماعية أو المذهبية المكبوتة في عمق المجتمع اليمني، إلاّ أنه نشأ بدرجة رئيسية من طبيعة تشكل النظام السياسي وتحالفاته المحلية والاقليمية، إما كقوة عصبوية شمولية مهيمنة ذات امتدادات قبلية ودينية، كما هو نظام علي عبدالله صالح، الذي حكم شمال اليمن بالقوة والقهر، وإما كسلطة ايديولوجية مغلقة لم تهضم التجربة الاشتراكية العالمية والفكر الماركسي بما يمكّنها من الإفادة من تلك التجربة في تعزيز تطور المجتمع الجنوبي الذي حكمته...". كما جاء في مقدمة بشرى المقطري التي أجرت المقابلات مع طرابلسي.
وتضيف المقطري: "في مفارقة تاريخية محزنة، يعاد اليوم تمثيل دورات الصراع على السلطة الذي رافق حكم اليسار في الجنوب، وبدورة أكثر عنفية لما عاشه اليمنيون في تاريخهم. فبعد خوض جماعة الحوثي وقوات الرئيس السابق حرباً داخلية ضد اليمنيين لتثبيت سلطتهم الانقلابية، وما تبع ذلك من شن التحالف العربي بقيادة السعودية حرباً لمساندة الرئيس هادي، لتتحوّل اليمن، البلد الفقير، ساحة حرب يمنية – يمنية – اقليمية، وكالعادة فرضت الحرب على اليمنيين وفق أجندات أطراف الصراع التي تتغير اسماؤهم لكنها تتشابه في عمى الاستحواذ على السلطة وعدم الافادة من دروس التاريخ".
ونستشف من الحوار أن اليمن لم يرتقِ الى مرتبة وطن واحد، حتى في مرحلة الدولة الواحدة بعد أكثر من ربع قرن من انطفاء أول حكم لليسار الماركسي في بلد عربي، علماً أنّ تسميته اليسار الماركسي ليس دقيقاً، لأنّه ظل في إطار الصراعات القبلية المناطقية، وبقيادة حكمت دون ان ترتقي الى مرتبة السلطة. ونلاحظ أنّ شيئاً لم يتغيّر، بل تتجه الأمور الى مزيد من الاقتتال والتفتيت المناطقي والمذهبي.
كأن الحرب الحالية تأسست واستمرت منذ تلك المرحلة من دون أي علاقة بحزب ماركسي أو حكم يساري، وهي حرب أشخاص وسلطة، كما كانت سابقاً، وثمة أشخاص ما زالوا هم أنفسهم يقودون الحروب وعلى رأسهم علي عبدالله صالح.

\r\n

[email protected]