الثلاثاء - 29 أيلول 2020
بيروت 31 °

إعلان

كتاب - هل شِعرُ شبلي العيسمي أودى به إلى الخطف؟

المصدر: " ا ف ب"
جوزف باسيل
كتاب - هل شِعرُ شبلي العيسمي أودى به إلى الخطف؟
كتاب - هل شِعرُ شبلي العيسمي أودى به إلى الخطف؟
A+ A-

لا يُختطَف الشعراء إلاّ في أرض الشعر. يوأدون في أرض عبقر، سواء إتّبعهم الغاوون أم لم يتّبعوهم. الشاعر نذير في أرض البشارة، قدره أنه صار شاعراً، إذ يصدح، أهون عليهم نعيق غراب، ولا صوت شاعر. اغتوى الشاعر خطراً ثاقباً، فاختطف!

\r\n

شبلي العيسمي المولود في العام 1925 في السويداء بسوريا، انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1943، وحضر مؤتمره التأسيسي في العام 1947 وأصبح عضواً في قيادته القطرية في العام 1956 وأميناً عاماً مساعداً في العام 1964 إلى العام 1992، حيث اعتذر عن عدم ترشيح نفسه عضواً في القيادة القومية "احتجاجاً على الممارسات السياسية التي تخالف مبادئه وضميره".
اعتقل ثلاث مرات لأسباب سياسية بين 1952 و1966، وتسلّم وزارات عدة في سوريا بين 1963 و1966، وأصبح نائباً لرئيس الدولة في العام 1966، وهو العام نفسه الذي سجن فيه قبل أن يهرب إلى لبنان ومنه إلى بغداد في أيلول 1968. وحكم عليه بالإعدام غيابياً وبعد نحو عام خفّض إلى المؤبد. خطف من لبنان إلى سوريا في 24/5/2011 وهو يناهز 87 عاماً. ولم يعرف مصيره بعد.جُمعت في "المجموعة الشعرية الكاملة" 286) صفحة، الدار العربية للعلوم ناشرون) قصائده التي كتبها أو ألقاها في مناسبات سياسية وحزبية، أو انتقد فيها نظام آل الأسد أو مجّد القومية العربية أو ناقش قضايا فكرية، وهي ثمرة جهد أولاده، حيث جاء في التقديم: كان التجاؤه الى الشعر متنفساً له بعيداً عن السياسة وهمومها، وحبّه للغة العربية وتمكّنه منها ساعداه في أن يكتب ديوانه.
وشاءت الأقدار أن يصدر الديوان بعد اختطافه على يد النظام السوري، وهو الذي أراد أن يطبعه قبل مدة. لكن انتقاله وعدم استقراره في المدة الأخيرة حالا دون ذلك".
عندما كان فتى دون العشرين نظّم قصيدة من خمسة عشر بيتاً، وعرضها على أحد مدرّسي اللغة العربية، فقال له:
هذا شعر ضعيف يفتقر الى الوزن الصحيح وخير لك ألاّ تشغل نفسك في نظم الشعر. صدمه القول فامتنع عن النظم ما ينوف العشرين عاماً، لكنه أكثر من قراءته وتعلّم بحوره وقواعده، حتى كان له ما أراد فأتقن صنعته وباشرها بقصيدة:
ما أن نَظرتُ لها بطَرْفي معجباً/ حتى رنت وتبسّمت لتحيتي
فسرت بنفسي نشوة فرحاً بها / وتأثّراً بسنا العيونِ وبسمَةِ
وتناثرت مزقاً قيودُ زرانتي/ وغدوت من فرحي كشاربِ خمرة
وإذا حَظيتُ لساعة بلقائها/ فكأنّها ومن السّرور كلحظة
ما كل ما نبغيه يصبح واقعاً/ جرت الأمورُ بما يناقِض بغيتي
ولأنّ شعره هادف ومنظوم في قضايا فكرية وقومية وحزبية، جاء شعر مناسبات مباشراً. والبيتان التاليان يعكسان وجهته في الشعر:
الشّعر في وصفه للحُبّ أعذبه/ وفي مديحه للحكّام أكذبه
وفي اثارته للشعب أنسبه/ وللمقاتل في الهيجاء يلهبه
وُجدت بين أوراق العيسمي بعد خطفه، قصيدة غير مؤرخة تروي كابوساً حلم به، فكأنه رأى اختطافه في ثلاث سيارات داكنة لمصلحة النظام السوري. لقد تنبّأ في هذه القصيدة بمصيره:
خرجت لأشتري للبيت حاجة/ إذا بثلاثةٍ فيهم لجاجَة
لأولهم هوى يبغي انتهاجه/ وثانيهم بدت فيه السذّاجة
وثالثهم له عقل النّعام
دنوا مني وقالوا يا فلانْ/ تعال لك السّلام به الأّمان
فقلت إذاً لقد آن الأوان/ لسجني بعد أن طال الزّمان
ولم يشعر بإزعاج النظام
وهذا القول ظلّ حبيس نفسي/ لكي أَعفي من اللكمات رأسي
رفضت وكان ردّهم برفسي/ وقسوتهم أرادوها كدرسِ
لكي أرضى بتطبيق النّظام
وبعد الرّفض عادوا لانتقاصي/ كأنّي مجْرم للعهد عاصي
لذلك أمسكوا بي بالنّواصي/ ولم يبقَ أمامي من مناص
وعندئذ صحوتُ منَ المنام
كابوس الحلم صار كابوساً في الواقع.
كتب في نقد الحكام العرب قصائد تحض على الثورة والانقلاب عليهم، لأنهم طغاة داسوا حقوق الإنسان العربي وتأسّدوا عليه.
فجاء مطلع قصيدة "يا حاكماً في بلادي":
يا حكماً رغم أنفِ الشعب في بلادي/ الشّعب في رَهَبٍ والعيش في نَكَدِ
يا حاملاً لقباً في غير موضعه/ شتّان بالطّبع بين الذّئب والأسد
حكام أنظمة أنصاف آلهة/ هذا لعمري بلاء الشعب في بلدي
الشعب يمهل لا ينسى الأُلى ظلموا/ حكم الطغاة قصير العمرِ والأمَدِ
ونظّم هاجياً الحكام العرب جملة في "نماذج من الحكام العرب":
من سوء طالعنا في هذه الحقب/ عمق الخواءِ لدى حكامنا العرب
يستأسدون على أبناء جِلْدَتِهم/ مع العدو هروب ضجّ بالرّيب
وابئس من زمن عشنا به لنرى/ كيف العقيد يغطّي الجهل بالصّخب
أمّا الفريق فقد كانت سياسته/ بطشاً بغطرسَة كالسَّمِّ والقَشّب
وانحاز جانب فرسٍ ضدّ اخوته/ من غير ما خجل غطّاه بالخُطَب
وانضم في عجلٍ للأجنبي بعدوان/ الخليج بلا لفٍ ولا وَرَب
أمّا المهيب فحدّث دونما حَرَج/ عن لبِّ منهجه بالبطش والرّهب
لا يرعوي فيرى في نفسه بطلاً/ رمزاً وأفضلهم بالأصل والنسب
أمّا الأُلى حكموا وفق الوراثة فالـ/ أفعال تفضحهم هم سبّة العرب
الأمر ذو جلل هبّوا بني وطني/ وقبل أن تعترينا أفدح النُّوب
ونسج على هذا المنوال في حكم بشار الأسد بحكم الوراثة.
فقال في ذلك:
قالوا لديه كفاية من خبرة/ وادارة وسياسة ودماثة/ البعض منها عن أبيه تعلّماً/ وما عداه أتى بحكم وراثة/ والشعب يوماً إن أراد تحرّراً/ وجد النضال محَبّباً ومُيسَّرا/ لا لن نعيش بعزّة قوميّة/ ما لم نؤدّ فدْيّة الحرّية. خطّ في العروبة ومبادئها وأهدافها وعلاقتها بالتراث والحداثة والإنسانية والمواطنة مجموعة قصائد فضّلتُها
على نثريات كثيرة في هذه المضامين. مجموعة قصائد غنائيّة في الحب والغزل جاءت معبّرة عن مشاعر عفوية من دون تكلّف ولا ابتذال، أقرب ما تكون الى الحب العذري، وأقرب الى القلب. ووصف قصائده هذه بقوله:
صور من الحبّ العنيف رسمتها/ وبلا رقيب كي تقال إليكِ
فإذا هَفا بعض الكلام بنزوة/ فمردّه سحر الجمال لديكِ.

\r\n

[email protected]