\\السلم كما يراه الشاعر العراقي غريب اسكندر، في ديوانه الجديد، "لا أخص أحدا بهذا"، الصادر لدى "دار رياض الريس للكتب والنشر"، هو وسيلة توصلنا الى الشيء الذي نريده بسهولة. من هذا المنطلق تتضمن المجموعة خمس عشرة قصيدة تحمل كلمة "سلم" في عنوانها، حيث ينقلنا الشاعر برشاقة من "سلم العشق"، الى "سلم الانتظار" الى "سلم الخسران" الى "سلم الهروب" فإلى "سلم باريس"، ليشاركنا هواجسه وذكرياته بل رؤيته للأشياء أيضا.
قصائد متوسطة الحجم أو صغيرة، تدخل في اطار قصيدة النثر المتحررة من الأوزان، ولا عجب في هذا الأمر كون الشاعر ينتمي الى جيل التسعينات في الشعر العراقي المعاصر. يهتم الشاعر غريب اسكندر بنسيج القصيدة وبتلاحمها، أكثر من اهتمامه بالبلاغة اللغوية، فينتقي المفردات والتشابيه التي تتناسب مع جو القصيدة ومع الرسالة الذي يريد أن يوصلها من دون أن ينجرف الى التنميق والى الزخرفة الزائدة.
من "سلم القصيدة": هذا سلم آخر/ عن القصيدة/ عن العزلة الفاتنة المميتة./ عن الوحدة/ لا صفحة سواها./ سلم تنمو قربه الحكايات/ فراغ تتقصاه/ كالأمل./ كيف تقطف أزهارا/ لم تنبت بعد؟/ كيف تحتال عليها/ كيف تطوعها؟/ تلك الكلمات البرية/ ثم.../ تتركها للريح" (ص29).
كل قصيدة تحمل موضوعا واحدا يعبّر عنه العنوان. هناك فكرة يعتمدها الشاعر، ويوسعها، أو يكتب انطباعاته عنها عبر السياق، بأسلوب سلس، لكنه يتضمن في الوقت احساسا شعريا عميقا.
"وماذا عنه/ هذا الذي تركته وحيدا/ يلهث في العتمة/ يتبع مساقط الضوء./ ماذا سيفعل في كل هذا الظلام؟/ الكلام الذي لم يكتب بعد؟/ كيف ينجو؟/ كيف سيكتب صمته... حكايته مع الفجر؟ ("سلم الشاعر"، ص31).
من الواضح أيضا أن الشاعر متأثر بالأمكنة، وكل مكان يترك عنده ذكرى معينة تدفعه الى كتابة قصيدة، والدليل على ذلك عناوين قصائده، "سلم باريس"،" سلم فيينا"، "سلم برشلونة". ففي قصيدة "سلم باريس" يقول الشاعر: "لا كآبة باريس/ لا أزهار هناك/ سوى أزهار الحب./ والجمال الذي يطفو/ على السين/ يغني تارة/ ويغرق أخرى/ كنجمة راقصة". ننتقل الى "سلم برشلونة" المدينة الاسبانية: "هذا هو جمال برشلونة/ عليك أن تكلمه/ كيف؟/ بلوحة ملونة بالكلمات" (ص55).
ترسو بنا السلالم على أماكن محببة عند الشاعر العراقي المقيم في لندن ونشعر أننا شاركناه زيارتها، فينقلنا من حال وجدانية الى أخرى، عبر لغة شاعرية لا تخلو من بعض الشروح أحيانا. نطالع الديوان، من دون أن نشعر بأي عبء، بفضل اللغة السلسة، التي تكرج أمامنا، لكن هذا لا يمنع من أن يرافق هذا الانسياب العذب في بعض الأوقات، ألم وحنين، أو صخرة تعوق جريان النهر، وتشوش عليه رحلته، وتعيده الى منبعه الأول، الى بغداد. لتأكيد ذلك، يختم غريب اسكندر ديوانه بثلاث قصائد تحت عنوان كبير "العودة الى بغداد". وهذه هي حال معظم الشعراء الذين يعيشون في المنفى بعيدا عن بلدهم الذين نشأوا فيه.
"ضممتكِ مثل طفلة صغيرة/ مثل قمر يذوي/ في ذلك النهار البعيد/ عندما رأيتك في المطبخ/ تكنسين تواريخنا المظلمة" ("لا أخص أحدا بهذا"، ص14).
"أعرف أنك لن تصدقي هذه الحكاية/ أعرف أن الحقيبة التي تمتلئ بالمنافي/ لا تمتلئ بالزهور./ وأعرف عجزي عن كراهيتك/ أيها النهر/عجزي عن أن أكون بعيدا عنكَ"؟ (دجلة تلازم الحبر والدم).
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض