الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 30 °

موسوعة الزعيترة - كسروان يجد كل أبناء القرية أنفسهم فيها

المصدر: " ا ف ب"
جوزف باسيل
A+ A-

جهد شخصي مميّز لأنطوان يوسف سعادة في كتابه "الزعيترة" في تاريخ لبنان المناطقي والتحوّلات في الريف اللبناني بين 1305 و2014، على مدى عشر سنين قارب التاريخ من خلال معايشة نشوء قريته في فتوح كسروان وتطورها.
تضمن هذا الكتاب الموسوعي، التفاصيل الكاملة والموسعة للتغييرات والتحوّلات والتطوّرات في الريف في جبل لبنان منذ اقتحام المماليك "العاصية" كسروان سنة 1305 وحتى اليوم، والأفضل إضافة خطة علمية إنمائية مستدامة بغية تحسين الأرياف وتطويرها في الخمسين سنة المقبلة دراسة "من تحت" كما وصفها المؤلف لقرية في نطاقها الجغرافي، يحوطها بكل أبعادها ونواحيها، تاريخية واجتماعية واقتصادية، ويتابع إنسانها منذ وضع رجله في الزعيترة بعد نكبة المماليك وحتى اليوم. وإنسان القرية ليس فرداً، بل جماعة، فالفرد هو الجماعة، والعكس صحيح، وما ظاهرة "العونة" إلا دليل على هذا المفهوم.
جَمَع المعطيات والمعلومات المبعثرة، والأخبار التاريخية المتناثرة قبل أن يطويها الزمن، والتقط المرويات الشفهية من الذاكرة الجماعية قبل أن يطويها النسيان، وحسناً فعل. ولو ان كل مثقف أو أكاديمي أو جامعي حاول أن "يدلّل" قريته بدراسة شاملة كهذه لصارت لدينا مكتبة توثيقية وطنية كاملة، تعزّز ارتباطنا بتاريخنا وهو مجيد، وبحضارتنا وهي عالية، وبأرضنا وهي ذاتنا. وعلى التاريخ نبني المستقبل.
"التقميش" في ثنايا التاريخ ومنعطفاته ومحطاته، امتد من مرحلة ما قبل التاريخ الى القرن السابع عشر، مروراً بالحروب الصليبية، وسلاطين المماليك الذين اقتحموا كسروان وشرّدوا أهله مخلّفينه "أرضاً محروقة"... وصولاً إلى العثمانيّين وعودة النصارى إليه، بعد التعريف بالشعوب التي تعاقبت على لبنان وكوّنت تركيبته السكانية الحالية بتعددها وتنوعها الاتني والحضاري، والإضاءة على الأحداث التي عصفت بهذه المنطقة.
نشأت الزعيترة في إحدى مزارع بلدة غبالة العريقة في القدم، وبناها المسيحيون العائدون منذ أواخر القرن السابع عشر. وأرّخ سعادة باستفاضة تاريخها الحديث بكل جوانبه، من دون أن يغفل مواسم الهجرة والصيد والاصطياف والحياة التقليدية في الريف بعاداته وتقاليده وأفراحه وأتراحه ومعاناة أهله. وركّز على "إظهار المضامين الثقافية التي ميّزت شعب لبنان وكوّنت شخصيته الخاصة".
جمع المؤلف معلوماته من مئات المقابلات والاستقصاءات والاحصاءات والمطالعات.
يشتمل الكتاب على دراسة استقصائية احصائية عن أصل عائلات أهل الزعيترة وأنسابهم وتاريخهم و"شجرة عيالهم" (عون، طايع، سعادة، زوين، خيرالله) وتعداد أفرادهم ونشاطاتهم ومساكنهم ومستوياتهم. كل فرد في الزعيترة يجد نفسه في هذا الكتاب.
أطلس معلومات عن جغرافية الفتوح الطبيعية: تضاريسها، مناخها، نباتاتها، ينابيعها، طبيعتها. يتوافر لدراسات أبنائها في المستقبل، وتسلسل زمني للموضوعات وضعها في إطارها زمانيا ومكانيا، وتراوح الوقوعات والنتائج بين العام والخاص في الواقع المعاش والتاريخ الوطني.
ليست طرافة هذا الكتاب في معلوماته الاكاديمية، بل في سطوره التي يخطها القرويون في عاداتهم وتقاليدهم وهواياتهم (الصيد: أنواع الطرائد، كمائنه، طرقه (الدبق، الصلي، الشرك) تنوع الأسلحة، أنواع الصيد بالبنادق، أهم المواقع والمحاور، أشهر الصيادين، نوادر الصيد وحوادثه، أخبار الطرائد).
كثيرون خرجوا من الزعيترة الى سطيحات الوطن، لكن أبرز اثنين هما المصارعان اندريه وجان سعادة اللذان رفعا اسم لبنان، وتميّزا بـ"تجسيرة" قلما نشاهدها في المصارعة الحرة.
لم يغفل شيئاً عن تفصيل العادات والحالات القروية، ويصفها بدقة وبلغة فصيحة من: الحدل، المورج او النورج، التدراية، تربية المواشي، تقعيد القراق، المشحرة، الأتون، صواني القش، بيت النار، قدامة الصوان، الهاون، التنور، الطابونة، صنع المؤونة (الكشك، القورمة، عقد التين، التدبيس، النبيذ، شيل العرق، الخل، دبس الرمان، رب البندورة) الأعمال الزراعية والمنزلية.
يعبر القرية: المبيّض نعيم من جويا، بائع الزيت درويش، لمّام النذورات والتبرعات سليم، بوظة املين...
الحرب وتداعياتها انعكست على الزعيترة مثل كل قرى لبنان ومناطقه، وقد كانت كسروان بعيدة عن الحرب المباشرة في "حرب السنتين" وما بعدها حتى الحرب بين الجيش و"القوات اللبنانية" التي جرت في قسم منها في كسروان. أما الحرب نفسها فكان تأثيرها على الزعيترة ابنية عشوائية اقيمت في أرضها، نتيجة وضعها الآمن فأمها للسكن إلى أبنائها مهجرون من المناطق اللبنانية التي تعرضت للتهجير والتدمير.
لن تعبر مرور الكرام، ولن تمل قراءة 600 صفحة تنوعت من الجيولوجيا الى التاريخ والعادات والتقاليد والأنساب والحرف الى الطرائف التي ترددت على ألسنة الأهالي خلال مئات السنوات او حدثت معهم منذ نشأت المزرعة ونمت. طبعاً الكثير مما ورد في الكتاب لا يعرفه إلا أبناء القرى، أما أهل المدن، فليتمتعوا بالانجذاب والدهشة.

\r\n

[email protected]