الثلاثاء - 29 أيلول 2020
بيروت 26 °

إعلان

مهاة فرح الخوري تذكّرت جميل صليبا "رائد الفلسفة"

المصدر: " ا ف ب"
جوزف باسيل
A+ A-

درسنا الفلسفة العربية في المرحلة الثانوية في كتاب جميل صليبا، واستعنت أحياناً بكتاب خليل الجر، أما أستاذ المادة فكان نبيه نمّور الذي يلقي ما جاء في الكتاب عن ظهر قلب بصوت عالٍ يلعلع في أرجاء الثانوية.
تداعت الذكريات أول ما قرأت اسمه على كتاب مهاة فرح الخوري التي كشفت عن شخصية صديق أبيها وعائلته على مدى سنوات، والذي ترك بصمات مؤثّرة في الفكر الفلسفي العربي، باعتباره "رائد الفلسفة العربية المعاصرة"، كما ورد في العنوان، ومارس دورًاً فاعلاً في التعليم، ولا سيما الفلسفي.
بتكليف مجمع اللغة العربية في دمشق تنكبت مهاة الخوري هذه المهمة، فاطلعتنا على حياة صليبا وأثاره الفلسفية والفكرية والأدبية مع مقتطفات منها، وكتابات فيه، ووقائع حفل تأبينه، واستطاعت أن تصوّر سيرته تصويراً يبرز مكانته وأخلاقه وأوصافه بأسلوبها "المشحون حيناً بعد حين بعواطف جياشة فرضتها صداقة حميمة" جمعت أسرتيهما، كما ورد في تقديم الكتاب. وقد كتبت ان عارفيه وصفوه بأنه "أحد أعلام التربية في القرن العشرين، تحققت على يديه قفزة عقلية حضارية".
درس صليبا في المدرسة الآسية (المدرسة التجهيزية الأرثوذكسية)، ثم في المكتب السلطاني العثماني، فمكتب عنبر. وسافر الى فرنسا لتحصيل تعليمه العالي، فحصل على الدكتوراه في الفلسفة سنة 1926 من السوربون، فكان أول سوري ينال هذه الشهادة. إضافة الى نيله دبلوم في التربية وإجازة في الآداب وإجازة في الحقوق. بعد عودته عيّن مدرساً للفلسفة في مكتب عنبر ومدارس الآسية سنة 1927، وصار لاحقاً مديراً عاماً لها. وأصدر كتابيه "علم النفس" و"المنطق" ومنتخبات من نصوص الفلاسفة العرب.
ثم تدرّج في المناصب في وزارة المعارف في دمشق، الى أمين عام لها سنة 1949، فعميداً للمعهد العالي للمعلمين حتى 1964. وفي هذه المرحلة برزت شخصية العالم الباحث والأستاذ المحاضر واتسعت علاقاته الثقافية عربياً وعالمياً، فصار عضواً في اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، وعضواً في اللجنة الدولية لعلوم التربية 1958، وعضواً في مجلس المديرين للموسوعة العربية الميسرة. وكان قد انتخب عضواً في المجمع العلمي العربي سنة 1942. عام 1964 أحيل على التقاعد، فنقل سكنه ونشاطه الى بيروت، فحاضر في الأونيسكو وفي الجامعة اللبنانية... وألف مجموعة من الكتب أهمها "الإنتاج الفلسفي" و"تاريخ الفلسفة العربية" وأخيراً كتابه "المعجم الفلسفي"، وكانت علاقته مميزة بالمجمع العلمي العربي،اذ نشر في مجلته، ما عدده 95 مقالاً له بين 1925 و1977، فضلاً عن إصدار مجموعة من الكتب والمحاضرات وتحقيق المخطوطات. وقد تجاوزت مؤلفاته الخمسة والثلاثين
مؤلفاً.
شارك في إصدار مجلة "المعلمين والمعلمات" عام 1931 ومجلة كلية التربية ورأس تحريرها، وأسس مجلة "المعلم العربي"، وهذا غيض من فيض، فقد نشر عشرات المقالات في عشرات المجلاّت العربية، خصوصاً في سوريا ولبنان. كذلك شارك في ندوة الاثني عشر التي أسسها ميشال أسمر عام 1936 والتي صارت "الندوة اللبنانية" سنة 1946، وكانت لصليبا مشاركة فعّالة في اللقاءات الفلسفية والثقافية للندوة.
توفى صليبا في 12 تشرين الأول 1976 في بيروت وشيّع في السادس عشر منه في دمشق بمأتم مهيب رسمي وشعبي. وقال المؤرخ قسطنطين زريق في تأبينه في جامعة دمشق: "ما أكثر ما حصّل وما أغزر ما أعطى". وقال فيه فؤاد شباط عميد كلية الحقوق آنذاك إنه "باقة لافتة متنوعة من الشهادات".
انتقت له مهاة الخوري – والخيار صعب – بعض أجمل ما كتب في مختلف الأنواع الأدبية والفلسفية.