الجمعة - 22 كانون الثاني 2021
بيروت 12 °

إعلان

"مومس بالمذكّر... أيضاً" باكورة فارس خشّان الروائية \r\nحوادث تدفعك إلى القراءة ما بين السطور

جوزف باسيل
"مومس بالمذكّر... أيضاً" باكورة فارس خشّان الروائية \r\nحوادث تدفعك إلى القراءة ما بين السطور
"مومس بالمذكّر... أيضاً" باكورة فارس خشّان الروائية \r\nحوادث تدفعك إلى القراءة ما بين السطور
A+ A-

"مومس بالمذكر... أيضاً" باكورة فارس خشان الروائية، عنوانها يعبّر عن حوادثها التي تتلبس لبوس تعدّد الاسقاطات والمهارات والتداعيات، حيث ينجدل العهر على حبل الفكر ونفاق السياسة وتزييف المال ودجل التجارة وخداع النفس وتعهّر الفضيلة. فيها تتقلب أدوار السلطة والمال كتقلّب المومس البكر.


بقوة دخل خشان عالم الرواية التي تدور وقائعها في بضع عواصم ودول، كبيروت وموناكو وباريس وجنيف. حوادثها المغلفة بالخيال انطوت على شخصيات تنطلق في مسار مسيّج بالأحلام والوقائع التي تنمو في رؤوس الاثرياء الذين يبادرون الى السياسة، او السياسيين الذين يحملهم يخت الاحلام الى الثراء، "ولكن الخيال الروائي يغلف أبطالها (الرواية) ويأخذهم الى نهايات تشكل اقتراحات لفتح أفق السعادة الفردية والانقاذ السياسي".
في البداية استثقلتها، لكنني تباعاً استمتعت بحوادثها وبمضامينها الفكرية فجذبني سياقها الى مفاجآت تكثّر العقد وتكثّف الحبكات، وخصوصاً أن القارئ يراقب شخصيات غير سويّة في معظمها، كنائب مضطرب يكشف خفاياه ورجل أعمال أوصلته الثروة المغمّسة بالتنازل الى الهلوسة، وبائعة هوى تقاوم نداءات التحرر، وسيدات مجتمع عالقات في فخ التألق، وتابعات وتابعين يمجّدون ربّ العمل.
وقائع وأسرار احدى أخطر المراحل في لبنان تدفعك الى القراءة في ما بين السطور محاولاً تطبيق حوادث الرواية على حوادث البلاد لعلك تكتشف من هذه الشخصية متى كانت هذه الحادثة، ومن تمثل في الواقع.
تقرير أمني "يتحدث عن تمكّن جهازه من الكشف عن مجموعة كانت تراقبك أمنياً (احد النواب) وقد ألقي القبض على عناصرها، ولكن جرى الإفراج عنهم بعد ساعات قليلة إثر تدخل مرجعيتهم السياسية وتهديدها بالرد على هذه العملية بعمليات عسكرية واسعة".
وحيث يبدو ثمة تناقضات، وليست نقائض، لكنها "حبل سرة" التواصل بين فصول مسرحية الواقع المعولم الذي دخل مرحلة الاحتكارات الكبرى والفساد الشامل، كلما اتسعت الاحتكارات وتراكم الفساد. بعض الحوادث الروائية هي قصص واقعية يمررها المؤلف بأسلوب وثائقي كقصة شحنة المخدرات في طائرة خاصة الى باريس. "واستفاد ربيع من فساد مكتب مكافحة المخدرات في لبنان فاشترى، برشوة، الكمية المطلوبة – وهي من مستودع المضبوطات – وأوصلها من خلال المكتب الى قرب طائرة وجيه، حيث استلمها مساعدوه ودسّوها في المكان الذي خبِّئت فيه الكمية الاصلية".
خارج مونولوغ النورس يزداد التشويق الروائي كلما تقدمت في قراءتها وتشعبت حوادثها وتعقدت حبكتها بما يطرأ من مفاجآت، حتى يصل القارئ الى حالة كمن يحل الكلمات المتقاطعة، باحثاً عن الروابط والعلاقات في ما يعرف أو يجهل، "وحيث يبحث عن مرادف لنفسه ومرادف لمن يعرفهم أو يتعرف إليهم".
قد يجد البعض موضوع حديث سمير مع النورس طريفاً، لكنه قطع سرد الرواية بوعظ مباشر، ومقارنة بين حال الإنسان والحيوان التي برع فيها ابن المقفع في "كليلة ودمنة"، وثنّى عليه لافونتين في Les fables وقد تجاوزا هذه المشهدية، التي يبررها الراوي بالتعبير عن حال الضياع والتشتت وتحطيم غرور الإنسان. المونولوغ الداخلي قيمة جمالية شرط ألاّ يطول.
وأتت الصفعة لثريين أحدهما يحادث النورس والآخر يلاعبه صائداً على الشاطئ، من مومس تحدثت عن مشكلاتها وهمومها وبحثها عن لقمة عيشها، ولو من دون "عرق الجبين"! قالت لهما: "تتحدثان عن سلوكيات النوارس كأنكما من غير البشر. لتكونا كالنورس إرميا مالكما وممتلكاتكما، وعيشا في الغابة أو على الشاطئ، وكل ما تصطادانه وما تزرعانه".
حديث الاثرياء عن الفقر والجوع كحديث السياسيين عندنا عن العفة!
في ذهن اللبنانيين يرتبط الثراء الفاحش باللصوصية المحترفة "جعلتني اعتقد أنه لص جديد من لصوص طبقتنا السياسية". والثراء يتمثل بالسياسيين "وإلا من أين له قصر كهذا في العاصمة الفرنسية، لا تملك مثله سوى عائلة الحريري".


الخالق أو المدمِّر
يطرح الاشكالات الجديدة – القديمة عن الايمان والقدرات الخارقة والحق المطلق والله، فيقاربها من الذهنية التي تعتمل في عقول المثقفين والواعين والمدركين، وكل من يتحسس الأخطار التي تحوقنا.
لم نفترض انه سيأتي يوم تتدهور فيه أفكار البشرية كأنها لم تتقدم ولم تتطور، بل عدنا الى الوثنية بحيث تغزو كل قبيلة أو فرقة الأخرى باسم إلهها فيما الهدف المغانم. وتتكرر المأساة التي لا يشاءها الله، وهي، كما وردت في الرواية "هناك من يقتل باسم الله، وهناك من يحارب باسم الله، وهناك من يسرق باسم الله، وهناك من يدمّر الارض باسم الله، وهناك من ينهب الطبيعة باسم الله، وهناك من يعبد المال ملقياً عليه اسم الله. إن الاساءة الى الله تبدأ من عند أولئك الذين يدّعون انهم يدافعون عن الله... هنا بيت القصيد، فلقد تحوّل الله من خالق الارض، على يد هؤلاء، الى ابرز عامل لتدمير المدينة". صار الله عند هؤلاء غرضاً سياسياً ومكسباً مادياً وذريعة للتسلط والسيطرة، أهذا هو الله؟ وكيف نؤمن بإله كهذا؟
على رغم انها مفعمة بالحوادث تكوّن لي انطباع انها رواية أفكار، لكثرة ما توالدت فيها، الى حد المماحكات الكلامية، وغلب الحوار حراً أو مونولوغاً أو إلقاءً وخطاباً على الأسلوب. وجاءت الأفكار عميقة، يوالد بعضها بعضاً، وكل فكرة تستطرد الى أخرى ما يجعلها تقارب الحكمة أحياناً. يقول: "تكمن المشكلة، في أننا شعب لم يعد يقرأ. يعني لم يعد يشفى"، "نحن نعدي بعضنا أمية، والأمية تصيبنا بالأمراض النفسية". "طبقتنا السياسية لا تفتش عن دولة، بل تسعى حصراً الى سلطة". "إن الطريق الى سعادة القادر يكون من خلال تخفيف شروط الحياة المذلة عند العاجز"، "ماضيه مجرد محطة لوم ذاتي، مستقبله مجرد علامة استفهام". حتى للمومس آداب الكلام والتصرف، وهي تقول لتبرر مهنتها: "بين أن أكون مومساً مستعبدة من رجل يتسيّد عليّ، وبين أن أكون مومساً أتسيّد على نفسي، اخترت الحل الثاني".


المدينة بيننا وبينهم
في خضم المقارنة بين المدينة كحالة حضارية، على تعدد المدن وتعدد الثقافات والاختلافات، وبين ما هو خارج المدن، فارق في الحضارة والعقلية والثقافة والاتزان، كالفارق بين المدن نفسها، قديماً وحديثاً. والمدينة تمثل الحضارة والحداثة.
وجود الراوي في المدن الغربية حتّم المقارنة بين مدننا ومدنهم، بين ما عندنا وما عندهم، بين عقليتنا وعقليتهم، لا نظامنا ونظامهم، فوضانا وتنظيمهم... بيننا وبينهم. المقارنة ليست لمصلحتنا. "يمكن اعتبار ان لبنان بصفته دولة من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، يستحيل أن يتلاءم مع قوى سياسية بمثل مواصفات القوى التي تتحكم بنا، وبمؤسساتنا وبمصيرنا وبطبيعتنا".
تنحو الرواية منحى التسييس، بالمقارنة بين مشروع رفيق الحريري في "بناء لبنان" وبين من سمّاهم "قوى الآلهة"، بل تعبر في التسييس من بدايتها، فأحد بطلي الرواية نائب في البرلمان اللبناني، ورغم محاولته الذهاب الى قرية صديقه القديم، بغية الراحة، إلا أن أحاديث شجون السياسة اللبنانية وقضايا الناس تطغى دائما.
تنقلب الأدوار وتتعاكس الأقدار، في لعبة السلطة والمال، فمن كان لك صار عليك، ومن كان معك صار ضدك، ولا يبقى في لعبة القدَر إلا قَدْر قليل من أصحاب الوفاء وأصدقاء الصدق.


[email protected]

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم