الأربعاء - 30 أيلول 2020
بيروت 28 °

إعلان

الرهائن حين يخرجون من الأسر... كيف يعودون إلى الحياة؟

المصدر: " ا ف ب"
اسرار شبارو
الرهائن حين يخرجون من الأسر... كيف يعودون إلى الحياة؟
الرهائن حين يخرجون من الأسر... كيف يعودون إلى الحياة؟
A+ A-

فجأة تتغيّر حياتهم، تتقيّد حريتهم، وتصبح أرواحهم وأجسادهم تحت رحمة بشر يتحكّمون بمصيرهم ويومياتهم، بطعامهم وشرابهم ولباسهم. يُعزلون عن العالم الخارجي، وعن أحبائهم وفلذات أكبادهم، لا يعلمون إن كانوا سيعودون يوماً الى أحضانهم، أم أنّ العالم الآخر في انتظارهم. هذه حال الأسرى الذين خطَّ القدر لهم أن يعيشوا الرعب، وتتحوّل اللحظة في حياتهم سنة، إلى أن يُفرج عنهم ويُفك قيدهم.

\r\n

في الأمس، عاد المخطوفون #العسكريون لدى #جبهة_النصرة الى الحياة من جديد. حُطمت السلاسل التي كانت تحول دون رجوعهم إلى الوطن. بالدموع والورود استُقبلوا. ضحكتهم لم تفارق وجوههم. كيف لا وقد مرَّ على غيابهم القسري سنة وأربعة أشهر، عانوا خلالها الكثير، وإن تحدثوا عن "معاملة حسنة من الجهة الخاطفة". المشهد في ساحة #رياض_الصلح أظهر المعنويات المرتفعة للمحررين وفرح الأمهات والآباء والزوجات والأبناء، بأبطال صمدوا طوال هذه الفترة رغم تهديد "النصرة" المتكرّر بحز السكين على أعناقهم، وتنفيذها هذا التهديد بزميل لهم، ما يطرح السؤال عن حالهم بعد أن تُطفئ كاميرات الأخبار عدساتها، ويعودوا إلى يومياتهم. هل سيترك ما مروا به ترسبات تتحكم بتفاصيل حياتهم، أم أنّ الوقت كفيل بمحو ما علق في الذاكرة؟

\r\n


مرارة الأسر
محررو الأمس يذكّروننا بمحرري أعزاز الـ11، الذين عانوا مرارة الأسر بعد توقيفهم في #سوريا وهم في طريق عودتهم من زيارة الأماكن المقدسة في #إيران في العام 2012. ظروفٌ قاسية عاشوها طوال ثمانية عشر شهراً. بردٌ وخوف من المجهول وترحال من مكان إلى آخر، رغم تأمين حاجاتهم من الطعام والشراب والدواء. لكن وفق ما قاله المحرر محمد الباقر منذر الذي تعرّض للتعذيب "كوني اتهمت أنني من كوادر #حزب_الله" ": "كنا نفتقر الى أبسط متطلبات الحياة. حتى الاستحمام كان يحسب له حساب وننتظره على مدى أيام. أدركتُ قيمة أمور لم تكن تعني لي شيئاً إذ كانت من البديهيات، كالقهوة والدخان والتلفزيون. الشوق إلى العائلة والأصدقاء كان يزداد مع الوقت، لا سيما إلى والدتي وجدتي".

\r\n


بصمات محفورة
اليوم، بعد مرور سنوات على عودة أصغر مخطوفي أعزاز ابن بعلبك الى حضن العائلة، هل انتهت معاناته، أم لا يزال أثر ما مرّ به يترك بصمات؟ عن ذلك شرح: "تغيّرتُ كثيراً، لا بل أشعر إنّ الوضع يسوء مع الوقت. بتُّ أكره كل سوري وأرغب بقتله. كنتُ أحمل سلاحاً قبل أسري، واليوم والدي يعارض هذا الأمر كونه يخشى عليَّ من التهوّر، كما تكوّنت لديّ عقدة من اللحية، ومَن مَن يتحدّث بالدين من غير مذهبي...".
ازدادت نسبة التوتّر لدى محمد (24 عاماً)، فقال: "حتى والدتي التي أفتقدتها كثيراً في الأسر، لا أعاملها جيداً اليوم، بل أغضب عليها من أتفه الأسباب". وأضاف: "أصبحتُ أحبُّ الوحدة كثيراً، ولا أرغبُ بسماع حديث أحد، رغم أنّ منسوب الكلام لديّ ارتفع، وبتُّ لجوجاً لا أحب الانتظار. أكره العمل، لذلك لم أعد الى وظيفتي، كما أكره تناول الطعام الذي كنتُ أتناوله في الأسر كالمعكرونة والبرغل والعدس".
مرحلة الاكتئاب
لا ينام محمد جيداً كما في السابق، يكره الظلم ولو كان تجاه عصفور في القفص، يقول: "أشعر أنني دخلتُ في مرحلة الاكتئاب، لا سيما أنّ الدولة لم تعر أهمية لما مررنا به. نعم أعطت كل محرّر عشرة آلآف دولار، لكن ذلك لا يكفي. بالحد الأدنى، عليها تأمين بطاقة صحية لنا نستطيع بها معالجة الأمراض التي ستظهر علينا نتيجة ما عانيناه. حتى التعويض من #قطر الذي تحدثت الوسائل الإعلامية عنه، فلم نرَ منه شيئاً".

\r\n


اختلاف "القبول"
لا شكّ بأنّ كل ما يمرّ به الإنسان يترك ترسبات في نفسه وشخصيته، فكيف إذا تعلّق الأمر بالأسر؟ عن ذلك، يجيب الطبيب والمحلل النفسي شوقي عازوري الذي قال: "الأسر موجود في التاريخ، لكن ما هو غير طبيعي في وضع الأسرى لدى #داعش و"النصرة"، علمهم بمواجهة الموت بطريقة بشعة كل لحظة، ما يجعلهم مختلفين عن السجناء العاديين الذين يتم توقيفهم مدة معيّنة من دون وجود خطر على حياتهم". وأضاف: "رغم كل ذلك، يتعود الأسير على حياته الجديدة، فالإنسان صلب كونه يعتاد. طبعاً كلّ أسير وفق شخصيته، فالبعض يتمتع بشخصية أقوى من غيره، تمكنه من تقبّل السجن، والبعض الآخر شخصيته أضعف، وبالتالي فقد يتعذب خلال تلك الفترة، إذ ليس بالضرورة أن يعاني جميع الأسرى الأمر نفسه".

\r\n


النقطة المشتركة
"الإحساس بالذنب هي النقطة المشتركة بين جميع المحّررين في حال توفي زميل لهم في الأسر"، وفق عازوري الذي شرح: "إذا كان وجود الأسرى مع بعضهم البعض يعزّيهم ويقلّص نسبة الشعور بالوحدة لديهم، فإنّه عند فكّ أسرهم سيكون من الصعب جداَ عليهم تقبّل وفاة زميل لهم. سيشعرون بالذنب وهذا ما نسميه منذ أيام الحرب العالمية الثانية culpabilité du survivant la ". واستطرد: "عندما أطلق الأميركيون السجناء لدى الألمان، بقي هؤلاء يحملون هذا الذنب، لذلك كانوا يضعون العراقيل في حياتهم حتى وإن سلكوا طريق النجاح. أنصح المحرَّرين الانتباه الى هذه النقطة، وليعلموا جيداً أنّهم غير مذنبين لوفاة زميلهم".

\r\n


الوقت هو الكفيل
يحتاج المحرّرون وقتاً للاعتياد مجدداً على أهلهم، كونهم أمضوا فترة طويلة من دونهم، و"سيشعرون أنّ العائلة غريبة وكذلك الضجة والزحمة. هناك "نقزة" من العودة الى الحياة والأمر يحتاج وقتاً ليستعيدوا طبيعتهم، لذلك قد لا تمرّ الأعياد الآتية عليهم بسهولة، ومَن لا يتمكن مع الوقت من التعايش مع الوضع الجديد، يمكن أن يفيد من العلاج النفسي".
وعما يعانيه محمد من كراهية و"عصبية، أجاب عازوري: "هذا الحد الأدنى من الشعور تجاه مَن خطفه بسبب دينه وبلده، فالكره يعيش فيه، وهو يكبر فترة، لكن لا يبقى".

الكلمات الدالة