لمناسبة الذكرى الثانية والثمانين لرحيل أمير الشعراء أحمد شوقي، شهد متحفه في الجيزة إحتفالاً كبيراً حمل عنوان "علاقة شوقي بمعاصريه" رواد النهضة المصرية، ومنهم سعد زغلول، حافظ إبرهيم، محمود مختار، وتوفيق دياب. تخللت الاحتفال فقرة فنية استعاد فيها المطرب أشرف علي بعضاً من روائع قصائد شوقي التي تغنى بها كبار المطربين، وفي مقدمهم محمد عبد الوهاب الذي تتلمذ على يد شوقي منذ نعومة أظفاره.
شهد العام 1932 رحيل شاعرين من كبار شعراء مصر الخالدين. توفى حافظ ابرهيم في الحادي والعشرين من حزيران، ونظم أحمد شوقي في وداعه قصيدة مطلعها: "قد كنت أؤثر أن تقول رثائي/ يا منصف الموتى من الأحياء". وفي الرابع عشر من تشرين الأول، توفّى أحمد شوقي وهو في قمة مجده، وكتبت مجلة "كل شيء والدنيا" في هذه المناسبة: "ما كادت دمعة الأدب على حافظ تجفّ حتى عقبتها اللوعة على أمير الشعراء الذي انتقل إلى رحمته تعالى، وترك من بعده فراغاً يجزع له منذ الآن رجال الأدب، إذ ليس هناك من يسدّه. ولا يتسع مجال هذه الصفحة للكلام عن شوقي ومكانته بين الشعراء، وإنما نريد أن نقول هذه الكلمة بوجه عام، وهي أن شوقي لم يكن شاعر مصر وأمير الشعراء في مصر فقط بل كان صاحب تلك الإمارة في جميع البلاد التي يتكلم أهلها العربية. ولا نخال تلميذاً في كتّاب أو طالباً في جامعة في مصر أو في غيرها من الأقطار العربية إلا ويحفظ لشوقي أبياتا قد سارت مسير الأمثال، ومن منّا يجهل قوله: "وانما الأمم الأخلاق ما بقيت/ فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
خصّت مجلة "كل شيء والدنيا" أمير الشعراء بملف من ثماني عشرة صفحة تناولت فيها نتاجه، وحمل هذا الملف مقالة مميزة تناولت علاقة شوقي بفن الغناء. في هذا الميدان، تحدث خليل مطران، فقال: "كنت والمرحوم اسماعيل صبري وشوقي نشترك في وضع الدور الواحد، وكنّا نأنف أن تُنسب إلينا الأغاني نزولا على حكم العصر". وأضاف: "كان شوقي صديقاً لسلامة حجازي وعبده الحمولي، ولما مات سلامة كان شوقي منفياً في الأندلس. لكنه رثى عبده الحمولي وعبد الحي حلمي، وهو حمل عبد الحي حلمي على تلحين قصيدة المتنبي: "أصخرة أنا ما لي لا تحرّكني/ هذي المدام ولا هذي الأغاريد". بدوره، تحدث محمد عبد الوهاب عن معلمه ووالده الروحي، فقال: "قبل أن ينظم القصائد التي أتحفني بها، كان قد نظم للغناء موالين فقط، "ساهي الجفون" و"ياما انت واحشني". كان اثناء اشتغاله بالنظم يعرض عليَّ أربع أو خمس كلمات لأختار واحدة منها تكون أحلى من غيرها في النغم، وكان يعتني عناية كبيرة بمخارج الألفاظ، وكنت أنشد له القصيدة بعد تلحينها فإذا لم تعجبه قال: ما انذجبتش، فأعيد التلحين وأجرّب انشادي مرة أخرى إلى أن يقول: انجذبت".
دأب محمد عبد الوهاب على الحديث عن معلمه على مر السنوات، وقدّم شهادات عديدة فيه، منها شهادة مميزة نُشرت في مجلة "الكواكب" في 16 آذار 1954 تحت عنوان "حضرت ولادة أغاني شوقي"، وفيها: "كان أحمد شوقي رحمه الله ذواقة للموسيقى لا يجاريه أحد. وكان يستمع إلى كل لحن أضعه لأغنيه قبل أن أذيعه على الناس، وكان يعدّل ويبدّل ألحاني، وكان يقول لي: يا محمد غيّر في الكوبليه ده، عدّل في اللحن ده. وكان رحمة الله عليه، يُطرب لكل لحن يراه بديعاً وكل موسيقى يجدها في نظره رائعة. ولقد ولدت أمامه ألحانا كثيرة في مستهل حياتي الفنية، ولعلّها من الألحان التي بدأت بها شهرتي تعلو ونجمي يرتفع وحظّي يسمو بين حظوظ زملائي الموسيقيين. وكنت لا أكاد أفترق عن شوقي. وكنا نقضي الليالي معا، في سهر ومطالعات وقراءات وألحان، وكم من مرة حضرت ولادة أغنية لي ألّفها شوقي، وكنت أشفق على هذا الرجل العظيم الذي كان يجد عسر ولادة في بعض الأحيان من أجل بيت من الشعر يخصصه لي. كان عندما يجيئه مخاض قطعة من الشعر يقوم من مكانه ويسير ذهاباً وجيئة في الطريق، وفي المنزل يتحرك بسرعة غريبة. ثم يطلب بيضاً. فيجيئون له بخمس بيضات وكوب فارغ، فيكسر البيض ويصبه في الكوب، ثم يقلبه ويشرب الكوب بسرعة مرة واحدة، ثم يهدأ قليلا. ويبحث عن قلم، ثم يبحث عن ورقة، وأخيراً يجد في غطاء علبة السجاير مبتغاه، فيدوّن عليه تباشير القطعة، بيتاً أو بيتين. ثم يهدأ قليلاً، ولا يتحدّث إليّ أو إلى أيّ شخص آخر، بل يسبح في ملكوت خاص به، فلا يحس لنا وجودا لساعات عدة، ثم يغمض عينيه ويروح في اغفاءة صغيرة، يتحرك بعدها بحثاً عن غطاء علبة سجاير وقلم، ليكتب بيتاً أو بيتين، وهكذا. ثم يقول لي: تعال يا محمد، فأجلس معه، ويخرج غطيان علب السجاير والأوراق الصغيرة المتناثرة التي دوّن فيها وليده الجديد، ويجمع كل هذا ويقرأه. وكان رحمة الله عليه يُطرًب حين يقرأ شعره، يُطرًب طرباً شديدا، وكان يقول لي: هيا ابدأ أنت عملك يا بطل. ويبدأ البطل، الذي هو أنا، عمله وهو واجف خائف من نقد أمير الشعراء أحمد شوقي".
لحّن عبد الوهاب وغنّى من شعر شوقي باقة من الأغاني في السنوات التي سبقت رحيل شوقي، وقدّم باقة أخرى من الشوقيات بعد رحيل معلّمه في العام 1932. بدأ التعاون على الأرجح في العام 1924، وأثمر عن قصيدة "قلب بوادي الحمى" وزفّة عرس "دار البشاير" التي كتبها الشاعر لمناسبة زواج ابنه علي شوقي، وموّال "قلب غدر بي"، وقصيدة "منك يا هاجر دائي". في 1925، وُلد موال "سيد القمر في سماه"، وتبعه في العام التالي دور "يا ليلة الوصل استنى". شهد العام 1927 ولادة سلسلة من الأغاني المنوعة: مونولوغ "اللي يحب الجمال"، قصيدة "أنا أنطونيو وأنطونيو أنا"، وبعدها قصيدة "خدعوها بقولهم حسناء"، ثم مونولوغ "شبكتي قلبي" ومونولوغ "الليل بدموعه جاني" التي كتبها شوقي عند وفاة والد عبد الوهاب. في 1928، أنشد عبد الوهاب تحفتيه الخالدتين "ردّت الروح" و"يا جارة الوادي"، وفي العام التالي غنّى مونولوغ "في الليل لما خلي" الذي أدخل فيه للمرة الأولى إيقاع الفالس وآلات التشيلو والكونترباس والصاجات الخشبية، ثم قصيدة "يا ناعماً رقدت جفونه" التي تُعتبر من البدائع الوهابية. في 1930، أنشد الموسيقي الشاب مونولوغ "بلبل حيران"، وقصيدة "تلفتت ظبية الوادي" من مسرحية "مجنون ليلى. وفي 1931، أنشد "يا شراعاً وراء دجلة" في حفل عيد جلوس ملك العراق فيصل الأول، وفي العام التالي أبدع في تلحين وغناء قصيدة "علّموه كيف يجفو".
في 1933، بعد رحيل شوقي، قدّم عبد الوهاب في فيلمه الأول "الوردة البيضاء" مونولوغ "النيل نجاشي"، وفيه ينادي الفلايكي، ويردّد الكورال من خلفه: هيلا هوب هيلا. وبعد ست سنوات، غنّى أبياتاً مختارة من قصيدة "أعلى الممالك" التي تُعرف كذلك باسم "شكسبير"، وهذه الأغنية من المفقودات. في مطلع 1940، عُرض فيلم عبد الوهاب الرابع "يوم سعيد"، وفيه قدّم الموسيقي مع أسمهان أوبريت "مجنون ليلى" التي ختمها بقصيدة "سجى الليل". بين 1943 و1953، ختم عبد الوهاب سلسلة الشوقيات بخمس روائع. في 1943، وفي مواكبة الحوادث الدامية التي شهدتها العاصمة السورية، سجّل المطرب الكبير "سلام من صبا بردى أرقّ/ ودمع لا يكفكف يا دمشق". وفي 1947، اختار بعضاً من ابيات قصيدة "شهيد الحق" التي نظمها شوقي في العام 1924 لمناسبة الذكرى السابعة عشرة لوفاة المرحوم مصطفى كامل باشا، وقدّمها تحت عنوان "السودان"، وفيها طالب الملك فاروق بالبحث عن وسيلة لإصلاح ما أصاب البلاد من انقسام، فتحوّلت عبارة "ابا فاروق" التي خاطب فيها شوقي الملك فؤاد، إلى "فيا فاروق" على لسان عبد الوهاب. في 1948، سُجّلت قصيدة "مضناك جفاه مرقده"، وتبعتها قصيدة "جبل التوباد" في 1951، ثم "مقادير من جفنيك" في 1953، وهي آخر الشوقيات الوهابية.
الأكثر قراءة
هل تستضيف برلين مجدداً بطلب من جهة محايدة مفاوضات غير مباشرة بعيدة عن الاضواء بين "حزب الله" وايران واسرائيل للتفاهم على انهاء حال الحرب بينها على غرار مفاوضات العام 2000 التي أدت الى إنهاء الاحتلال للجنوب في آيار من العام المذكور .
نبض