الأربعاء - 30 أيلول 2020
بيروت 29 °

إعلان

نص - لصوص في البيت الحرام

المصدر: " ا ف ب"
رضا سعادة
A+ A-

أنهيتُ أداء عُمرتي المفردة، فأتممتُ طوافي حول الكعبة المشرَّفة، وسعيي بين الصفا والمروة. وأقمت صلواتي الواجبة والمستحبة مقابل ميزاب الكعبة، ثم جلستُ في فِنائها أتأمل جلال سوادها، وهيبة الطائفين الدائرين حولها كدوران الارض حول الشمس. كنت وحدي بعدما تركتني زوجتي وصحبي عائدين الى غرفهم في الفندق المجاور، لأخذ قسط من الراحة، عندما راودتني مجدداً فكرة محاولة لمس الحجر الأسود، المزروع في ركن الكعبة من زاويتها الشمالية الشرقية. فكرة دونها شوك القتاد لمن هم في مثل سني، بسبب زحمة الطائفين وتدافعهم الى درجة دهس بعضهم بعضاً. خطّطتُ للعملية، وبدأت بتنفيذها بالسير مع الطائفين، ثم باختراقهم لبلوغ جدار الكعبة، ملاصقاً جسدي بجدرانها، سائراً بدءاً من حِجْرِ اسماعيل، مروراً بالحائط المستجار، بلوغاً ركن الحجر الأسود وهو رمز قدسيتها.
شعرتُ وأنا أتلمس خطواتي ببطء شديد، أن المتدافعين للمس الحجر أو تقبيله قد يرمونني أرضاً. وقد أُداس بالأقدام، فلا أحد يجير أحداً هنا، ولا أحد يسأل عن أحد. كل واحد همّه نفسه والوصول، كأنه لا إحسان حيث يجب أن يكون منبع الإحسان. لكنني نويتُ التحدي، فأمسكتُ بالحبل الذي يربط غطاء الكعبة بجدرانها، بيدي اليسرى، ورحت أدافع عن نفسي بردّ هجمات المهاجمين بيدي اليمنى. صرت أتقدّم بأبطأ من سلحفاة، وقوايَ تكاد تخور مما أبذله من الجهد. ها قد أصبحتُ على بعد مترٍ واحد من الركن، ثم نصف متر، ثم أقلّ من ذلك. هذا هو التجويف الذي يركن فيه الحجر الأسود أمامي، مئات الأيدي وعشرات الرؤوس تحاول الولوج اليه. خلت نفسي أستطيع إدخال رأسي وتقبيله، لكنني أحجمتُ، مخافة أن يصيبني أذى شديد من الحملات التي يشنّها المهاجمون. اكتفيتُ بمدّ يدي، تلمّستُ الحجر، ثم خلعتُ قبّعتي السوداء عن رأسي وأدخلتُها فيه، مسحتُ بها داخل التجويف كله، والحجر الأسود، مسحاً مؤكداً مكرراً بضع مرات كي لا يراودني في ما بعد أدنى شك. ها قد نجحتُ، هذا يكفي. فلأخرج من خضمّ التدافع قبل أن ينالني مكروه، مكتفياً بما نلته من اللكمات واللطمات في كل أنحاء جسدي.
الخروج من الحشد صعب كالدخول فيه، وإن بنسبة أقلّ، فالمهاجمون يقطعون عليّ الطريق. اضطررتُ لدفع رجل الى الوراء كان على وشك ملامسة الحجر، فارتدّ الى مسافة مترين منه. عليَّ أن أخرج من بين الأمواج البشرية التي تلاطمني قبل أن ينقطع نفسي وتنهار قوايَ فأقع أرضاً وأُداس. ها قد مكّنني الله من ذلك فابتعدتُ. لقد تحرّرتُ. أصبحتُ حراً لأرتاح قليلاً في فِناء الكعبة وظلال أسوارها.
انتهت العملية فعدت الى الفندق مزهوّاً بنفسي، وأخبرتُ زوجتي ورفاقي بما حصل معي. لقد أردتُ التحدي ونجحتُ. إنها بطولة لمن تجاوز الثامنة والستين. هممتُ بخلع "دشداشتي" البيضاء المبلّلة عرقاً، ثم البنطال الأبيض الذي تحتها، وفيه الجيب الذي أخبئ فيه ما تبقى من نقودي. مددتُ يدي لأُخرج النقود الورقية قبل أن تتبلّل وتفسد؛ يا للمفاجأة! الجيب مقفل بالسحاب، ولكن لا نقود فيه! نظرتُ فإذا هو قد شُقّ بآلة حادة أحدثت فيه فتحة. إنه اللص! لقد نجح في إخراج النقود من الفتحة، وغَنِمَها. أنا كنت أجاهد نفسي لبلوغ الحجر الأسود، واللص المتسلّل بين الطائفين كان يُجهد نفسه ليسرقني. لم أكن لأحسّ بوجوده مطلقاً، لأن التدافع كان على أشدّه، فاكتشفتُ أن بين الطائفين لصوصاً، وان ما كنا نسمع به ولا نصدّقه صحيح! في أطهر مكان على الأرض، في بيت الله الحرام، يوجد اللصوص ويسرقون الحجيج. فهل سنُفاجأ بعد بوجودهم في أماكن أخرى؟ وفي تعاملهم بالأموال المنقولة وغير المنقولة وفي جميع المراكز والمواقع والمقامات؟
بعدما خلعتُ ثيابي، اكتشفت آثار اللكمات على صدري، وعلى كتفي. حمدت الله على نجاتي من جرح بليغ أو كسر معيق، فالنقود تُعوَّض؛ لكن كلفة لمس الحجر الأسود بلغت، اضافة الى المخاطرة، ألف ريال سعودي!