الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 26 °

إعلان

بدّي ضلّ هون ما بدّي فلّ

المصدر: "النهار"
عقل العويط
عقل العويط
بدّي ضلّ هون ما بدّي فل (منصور الهبر)
بدّي ضلّ هون ما بدّي فل (منصور الهبر)
A+ A-
ليس من السهل أنْ يتحمّل المواطن اللبنانيّ العاديّ، امرأةً أو رجلًا، شابّةً أو شابًّا، كلّ هذه المآسي والكوارث التي تنهال تباعًا على حياتنا وبلادنا.
ليس من السهل أنْ يبقى المرء قادرًا على العيش، وعلى النوم، وعلى التفكير، وعلى أنْ يبقى في جسده، وعلى أنْ لا يغادر هذا الجسد المُهان، بأيّ طريقةٍ من الطرق.
من الصعب أنْ لا يُجَنّ، هذا الكائن. من الصعب أنْ لا ينتحر. من الصعب أنْ لا يهجّ، هاشلًا، هاربًا، تائهًا، باحثًّا عن نجمةٍ ينام تحتها في عراء الكون.
هل يُعقل أنْ نظلّ نتحمّل هؤلاء المجرمين، بدون أنْ نفعل شيئًا مضادًّا؟!
بطلةٌ هي المرأة، وبطلٌ هو الرجل؛ بطلٌ هو هذا المواطن الذي يظلّ يستطيع أنْ يقف على رجليه، رافعًا رأسه في وجه المحن. وأنْ يظلّ يبتسم. وأنْ يظلّ يواصل السعي، باحثًا عن اللقمة، عن الإغفاءة، عن جمال رؤية الحياة المستيقظة، عن الفرح، عن الحبّ، عن اللحظة. عن كلّ لحظة.
هذه البطلة، هذا البطل، هما اللذان يشلّان يد القتل المنظّم للبنان وللبنانيّات واللبنانيّين.
لا سبيل إلّا بمثل هؤلاء البطلات والأبطال، لشلّ يد هذا القتل المنهجيّ المنظّم، الذي تمارسه الطبقة السياسيّة الحاكمة، وخصوصًا منها هؤلاء الذين يستولون على الحياة باسم الإصلاح والتغيير حينًا، وباسم الممانعة والمقاومة حينًا آخر، وباسم السلاح حينًا ثالثًا، وباسم القضاء على الفساد حينًا رابعًا، وباسم الوحدة الوطنيّة والعيش المشترك والتقاسم والمحاصصة حينًا خامسًا، وباسم لبنان أوّلًا وتطبيق الدستور واتّفاق الطائف سادسًا وليس أخيرًا.
هؤلاء البطلات والأبطال كثيراتٌ وكثيرون، وليسوا بقلائل.
أنا أكبر بهؤلاء. وأتعزّى بهؤلاء. وأعيش بهؤلاء. وأنا أنحني لهم، وأنا أحيّيهم، رجالًا ونساءً، فتياتٍ وفتيانًا، عجائز وأجنّةً، وأحرّضهم على هذا الوقوف النبيل الأبيّ الشامخ في وجه الموت والتهجير.
... وأنْ يفعلوا ذلك نكايةً بهذه الطبقة السياسيّة القاتلة.
إذا كان الكيل قد طفح حقًّا من فساد الطبقة السياسيّة اللبنانيّة، ومن انعدام أخلاقها، ومن تحكّمها بالحاضر وبالمستقبل، فالأجدى أنْ نفتح معركةً معنويّةً، مضادّةً وشرسةً، عنوانها الآتي: "بدّي ضلّ هون ما بدّي فلّ، على رغم كلّ الأسباب التي تحملني على ترك البلاد".
على سيرة هذه "المعركة" الفريدة، استمعتُ بشغفٍ عظيمٍ إلى فيديو بهذا المعنى، و"عشقتُ" الصوت الأنثويّ الذي يتحدّث عن الرغبة في البقاء هنا والعيش هنا. ثمّ استمعتُ إلى فيديو ثانٍ وثالثٍ، وإلى دعواتٍ مماثلة، تمجّد الحياة والفرح والجموح والجنوح والغبطة والأمل وعدم الرضوخ لليأس.
هنا بلادنا. وهنا يجب أنْ نعيش. وأنْ نجني الخبز. وأنْ نكافح من أجل الأمان. وهنا يجب أنْ نعمل. وأنْ نصنع الفرق. وأنْ نعيد تنقية الهواء. وأنْ نعمّر المدينة. والقرى. ونُعلي شأن الحياة والحرّيّة. هنا يجب أنْ نخترع الفرح. والحبّ. وأنْ نكون سعداء. وأنْ ندعو الليل بنجومه وقمره وعصافيره وأحلامه وحكاياته وانتظارات فجره، ليكون معنا، في استقبال اللحظة التي نسدل فيها الستار على هذا الحكم الملعون الكريه المحقِّر للحياة والحبّ والإنسان.
بدّي ضلّ هون ما بدّي فلّ. عاش لبنان!
[email protected]
الكلمات الدالة