الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

قشّة بحجم معجزة

المصدر: النهار
فاطمة عبدالله
Bookmark
قشّة بحجم معجزة
قشّة بحجم معجزة
A+ A-

أتت كلبة من تشيلي للحركشة بالأمل الخجول في الأعماق، المكسور مئة كسرة. قالت له انهض، فاليأس لا يليق، ولا الاستسلام. اسمها "فلاش"، ضجّت بها المواقع ونشرات الأخبار، وشكرها الجميع على قيامها بعمل الأجهزة. هذه الجميلة، الذكية، خطفت الضوء، وفضحت التقاعس والتواطؤ واللامبالاة. استجابت لما أسموه "نبضاً"، وهو في الحقيقة رجاء، وحاجة مُلحّة للإحساس بالحياة.
شهرٌ على المأساة، والتذكّر مؤلم. كيف مرّ كلّ ذلك، وتحمّلنا النجاة وعذاب النجاة؟ بدت مار مخايل بعد الشهر خفقاناً ضئيلاً في قلب مُتعب، لكنّه مصرٌّ على النبض. إنّه التمسّك بقشّة، فيما كلّ شيء يغرق حتى القعر. قشّة بحجم معجزة. أمل بحجم حياة. كيف للركام أن يُنجب ولادة؟ يعلم الله الجواب. إنّنا في الحقيقة، ننتظر ذاك الصوت الداخلي المرتفع إلى الله يرجوه الأمان المسلوب باسم الخوف، وتلك الصرخة رجاءً بالقيامة، نكاية بالموت. ننتظر أن يُبعَثا بعد التهشُّم والانطفاء والشعور بالخواء.
يا رب، استغاثةُ محتاج. شهرٌ والروح نار. ناجون بالصدفة، وأشلاء مؤجّلة. يختزلنا ذلك المبنى في مار مخايل، نتشارك معاً الركام والبقايا المتناثرة. كأنّنا تماماً انهياره وسقوطه وانقلابه رأساً على عقب، فما إن استشعرت "فلاش" نبضاً، حتى خلناه نبضنا وقلبنا الخافق برغم الضلوع المكسورة. رفضنا تصديق العلم والطبّ والمنطق والعقل، وظلّ الرجاء أنّه نبض طفل أو كائن حيّ، كأنّ الله يهدينا معجزة، ويطبطب على أكتافنا ويمسح شيئاً من الدمع.
نحتاج أحياناً إلى أي وهم ينقذنا من الحقيقة. أتت به "فلاش" ورشّته على موائدنا، كمَن يرشّ الملح على وجبة باردة لتكذيب الطعم. طاردتها كاميرات اللبنانيين وألسنتهم، كأنّها حبل خلاص في ظلمة البئر الكئيبة. تحت الركام، ثمة أمل. قد لا يكون شيئاً، لكنّه للحظة، هو كلّ شيء. هو ردّ الروح وتفوّق البسمة على الأشباح، وإن عانقها الدمع وطبعها على وجوهنا الحزينة. الأمل مجانيّ، لكنّنا ندفع ثمنه من أيامنا وأعمارنا وأحلامنا. نشتريه بأغلى الأثمان.

[email protected]
Twitter: @abdallah_fatima