الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

عندما تُقلع الطائرة

المصدر: النهار
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
Bookmark
عندما تُقلع الطائرة
عندما تُقلع الطائرة
A+ A-

تعرف جيداً أنها ستعيش المعنى الحقيقي للوحدة عندما تُقلع الطائرة، ولكنها هذه المرّة شعرت بالخوف الحقيقي، "وما في مجال للرجعة". ومساء كل يوم، بعد ذاك الانفجار الذي ستحكي عنه الكوابيس كثيراً وترسم تضاريسه في كل مرّة تشرد فيها العين، تنتظر صوت الطائرة، "أنا متأكدة إنّي سمعت صوت طيّارة. ما حدن يقلّلي غير هيك". هي مُستعدة لحياة الوحدة في شمال فرنسا حيث يقطن ابنها الوحيد وعائلته الصغيرة، "سأمضي ساعات النهار الطويلة في المطبخ والتبصير والتحدث إلى لبنان مع شقيقتي. بس هالمرّة، ما في مجال للرجعة". صوت الطائرة تسمعه مساء كل يوم. وهي تُشاهد التلفزيون. وهي تتناول طعامعها بمفردها. صحيح أنها أرملة منذ العام 1989، لكنها لم تخف يوماً من المكوث بمفردها في المنزل، وإن كان نجلها الوحيد يقطن فرنسا حيث هو طبيب ناجح، "جيراني بياخدوا العقل. وشقيقتي تقطن في المبنى المجاور. لي طقوسي وزياراتي الاجتماعية. أعيش باستقلال وسعادة في بيروت". ولكن الانفجار بدّل كل شيء. وهي تعرف جيداً، أن الوحدة بانتظارها ما أن تحضر أوراقها. ولكنها تذكر جيداً، "الدم يالّلي شرشر منّي بكل البيت"، وأن شقيقتها وابنتها أصيبتا ولم تجد من ينقلها إلى المستشفى، أي مستشفى. فجأة توقفت سيارة فيها شباب وصبية، "تانت، تانت، طلعي". المستشفيات لا تستقبل الحالات "العاديّة". ولكن مستشفى جبل لبنان استقبلها، "أسعفني شاب ولكنه لم يتمكّن من إنجاز عمله لأن حالة طارئة استدعت اهتمامه. الشباب الذين أوصلوها اختفوا. مشت في الشارع، "ما كان معي مصاري. ما شي". اقترب منها شاب عشريني. طلب لها سيّارة إجرة، "وأعطاني عشرة آلاف. ولو يا تانت، قال لي، إنت متل إمّي". سائق السيّارة أوصلها إلى الأشرفية، "من عقلك عم تعطيني عشرة آلاف؟ روحي جيبي 30". الجيران هرعوا إلى نجدتها، "زعلت. متل كأنّو دبحتيني". المبنى شبه مهجور، ولكن الكهرباء ليست مقطوعة، "تناولت القليل من الطعام، واتصلت بإبني إلى فرنسا: معك حق يا حبيبي، لازم أترك البلد. صرت جاهزة". وهي تعرف جيداً أنها عندما ستُقلع الطائرة، ستودع حياة هانئة وجميلة صنعتها منذ وفاة زوجها. ولكن صوت الطائرة يسكنها، وهي تسمعه مساء كل يوم قبل أن تنام، "ما بقا في مجال للرجعة".

[email protected]