الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 26 °

إعلان

ويل يومئذ للمطبّعين

الدكتور علي خشان- وزير العدل الفلسطيني الأسبق
ويل يومئذ للمطبّعين
ويل يومئذ للمطبّعين
A+ A-

عندما تفكّر كـ"عربي" عن السر وراء العلاقة مع إسرائيل وتطبيع العرب معها، تثور في مخيلتك العديد من الأسئلة التي لا تجد لبعضها تفسيراً.

تلك التوجهات الغريبة الشاذة نحو التطبيع التي أصبحت في وقتنا الحالي نوعاً من الذكاء والواقعية السياسية والدبلوماسية الفذة التي تضع أصحابها في قائمة المفكرين والمبدعين وحلالي العقد المستعصية والمطلعين على الغيب وقارئي كل فناجين القهوة، بل والعارفين في أصول الدين وفي استشراف المستقبل والمعرفة السياسية وهم أصحاب الرؤية الثاقبة وبعد النظر الرهيب!!

ويأتونك بالمبررات ويسوقون لك الأدلة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والدينية بأنهم لم يطبّعوا ولم يفعلوا ذلك إلا لخير الأمة ومصلحتها حتى يعيش هذا الشعب الفلسطيني المظلوم في بحبوحة من العيش ويستطيع التنقل في أرضه دون معوقات ومن جهة أخرى فهم يقومون بذلك من أجل حماية المقدسات في الخليل والقدس وبيت لحم، ولكي لا يواصل العدو الصهيوني خططه في تهويد القدس وتدنيس المسجد الأقصى، ولكي لا يقوم كذلك بمزيد من عمليات الضم والقضم والهضم، هذا إن بقي شيء صالح للضم في فلسطين، حيث يصول المحتل ويجول دون رادع أممي ولا قوة عربية أو إسلامية توقفه أو مقاومة فلسطينية ولو خجولة تتصدى له، حتى وصل الأمر والاستكبار به إلى الادعاء بأن الفتية "الإرهابيين الفلسطينيين" يستخدمون أسلحة غير تقليدية تتركز في البالونات المشتعلة ومقالع الحجارة ويقوم بالرد بقصفهم بالطائرات الحديثة المتطورة رداً على عدوانهم غير المبرر دولياً وعربياً وإسلاميا!!

هذا العدو المستبد الذي احتل الأرض وشرد الشعب الفلسطيني في أصقاع الأرض هو الذي تعترف به بعض الحكومات العربية.

يطبّعون ويبررون فعلتهم بعدم وجود موقف عربي موحد يرفض التطبيع، حتى إن بعض الدول تدعو إلى تشجيع التطبيع في العلن تارة وفي اللقاءات الثنائية معها تارة أخرى كما هو الحال بالنسبة لمصر والأردن التي تقيم علاقات مع إسرائيل.

حتى إن الموقف الرسمي الفلسطيني أيضاً هو موقف غامض وغير متوازن وغير مفهوم أحياناً ومنخرط عملياً في العلاقة مع إسرائيل ويستخدم العلاقة معها وفقاً للظروف السياسية القائمة. فاذا كانت هناك مفاوضات مع إحدى الحكومات الإسرائيلية كما كان الأمر في لقاءات عرفات – رابين أو أبو مازن – أولمرت فإنهم يغضون الطرف ويغمضون العين عن اللقاءات العربية الإسرائيلية وأحياناً يؤيدونها، لكن ليس إلى حد التطبيع، حيث يطلبون التأجيل حتى لا يكون ذلك بمثابة مكافأة للاحتلال الإسرائيلي من ناحية، وحتى يتم تحقيق خرق في عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية من ناحية أخرى.

من جانب آخر نطلب من العرب والمسلمين وندعوهم لزيارة القدس والأماكن المقدسة لتعزيز صمود الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني ونفتي بشرعية ذلك، في الوقت الذي لا يستطيع الفلسطينيون من غزة والضفة الغربية زيارة القدس.

لهذا لا نرى أن هناك استراتيجية فلسطينية واضحة في التعامل مع زيارة العرب والمسلمين والمسيحيين لفلسطين، فهي تشجعهم أحياناً وتطلب منهم عدم الحضور في أحيان أخرى وفقاً لطبيعة العلاقات والمفاوضات القائمة مع إسرائيل.

لكن ما الذي يدعو تلك الدول لتطبيع العلاقات مع إسرائيل؟

بعض الدول الصديقة والشقيقة ومنها بعض الدول العربية والإسلامية، تعتقد مخطئة أن العلاقة مع إسرائيل هي الأساس والمقدمة في نسج علاقات حميمة مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، وأن إسرائيل هي بوابة الامتيازات والعلاقات الاقتصادية مع الدول الأخرى، كما هو الحال بالنسبة للسودان وبعض الدول الإفريقية مثل أثيوبيا.

ووصل الأمر في أن تطلب بعض الدول من نتنياهو التدخل لدى أميركا لتسوية بعض الأمور العالقة لاعتقادها بوجود علاقات مميزة بينه وبين دونالد ترمب.

ولا تخجل بعض الدول من التصريح بقنوات رسمية أو شبه رسمية بأنها تتعاون مع إسرائيل سراً أو علانية لمساعدتها في مواجهة إيران وفقاً لـ"قاعدة عدوّ عدوي هو صديقي"، ما يزيد من تأجيج الصراع بدلاً من فتح حوار جاد والتفاوض مع إيران لما فيه خير المنطقة وبما يمنع التهديد الإيراني من التغلغل والسيطرة بخاصة في ظل الواقع الاقتصادي والسياسي الصعب التي تعاني منه إيران، وهذا برأيي هو الوقت المناسب لكبح جماح الأطماع الإيرانية في المنطقة بالمفاوضات بدلاً من الحروب والنزاعات التي تستنزف مقدرات الأمة العربية وتجعلها رهينة بيد إسرائيل ورهينة للسياسات الأميركية في المنطقة.

إن اللجوء إلى دولة الاحتلال لخلق نوع من الردع لإيران ونوع من التوازن معها كما يعتقد البعض، يفتح المجال لخلل استراتيجي في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل المستفيد الوحيد من استمرار النزاعات والحروب ويجعلها القوة الوحيدة المسيطرة في المنطقة.

ويزعم البعض أن التطبيع هو وسيلة ومبرر للحصول على التكنولوجيا المتقدمة من إسرائيل، وكأن إسرائيل هي الدولة الأولى في مجال التقدم التكنولوجي!!

وهذا مبرر سخيف وغير حقيقي أيضاً. فإسرائيل لا تقدم شيئاً إلا بمقابل وثمن باهظ، وهناك عشرات الدول المتقدمة تكنولوجياً مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا وروسيا والصين تستطيع تقديم تكنولوجيا رخيصة وتسهم في إيجاد الحلول للعديد من المشكلات والأزمات دون حاجة لإسرائيل التي تقوم على سرقة التكنولوجيا وخاصة من الولايات المتحدة الأميركية نتيجة تغلغلها سياسياً هناك وتقوم ببيعها للآخرين.

ويدّعي البعض بأن التطبيع مع إسرائيل يساعد الفلسطينيين في تحقيق مكاسب تفاوضية وفي تضييق هوة الخلافات تمهيداً لتوقيع سلام نهائي، وهذا غير صحيح خاصة وأن القيادة الفلسطينية ذاتها ترفض تلك التوجهات وتعتبر هذا التطبيع انحيازاً لإسرائيل ودعماً لها في تعنتها ولا يدفع عملية السلام في المنطقة.

وأخيراً، فإن بعض تلك الدول تحمل عداوة وضغينة وكرهاً لكل ما هو إسلامي، وترى أنها بتطبيع العلاقات مع إسرائيل تستطيع الحصول على معلومات استخبارية لمقاومة المد الإسلامي فيها والتصدي لبعض التنظيمات مثل حركة الإخوان المسلمين وكذلك حزب الله في لبنان وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.

ويعتقدون أن إسرائيل تستطيع تقديم المساعدة لهم في التصدي أيضاً للحوثيين في اليمن والحركات المؤيدة لإيران في العراق وسوريا، وهي بذلك تدخل في المستنقع الاسرائيلي وتعمل على تنفيذ المخططات الاسرائيلية في الوصول إلى العمق العربي والإسلامي وتصبح إسرائيل هي واضع السياسات في المنطقة والدول الاخرى مجرد منفذ لها.


إن العلاقة مع إسرائيل هي عبء أمنيّ كبير حيث إنها تسعى دوماً إلى تحقيق مصالحها الخاصة ولا تأبه بالآخرين، وتعمل على التغلغل الأمني في تلك الدول وتقدم لهم الاستشارات بما يخدم مصالحها وبما يعمل على تكبيل تلك الدول وخسارتها لاحقاً وتحول تلك الدول إلى ساحة استخبارات متقدمة لإسرائيل ومخططاتها العدوانية.

ليعلم العرب وكل المطبّعين أن لا فائدة ترجى من وراء إسرائيل، فهي تتعامل بعقلية التاجر والسمسار وتهدف إلى السيطرة على مقدرات الأمة، وتقوم كل عملياتها على الابتزاز، وتتعامل مع العرب كعبيد بعقلية توراتية دينية توسعية، إن أميركا وإسرائيل تقوم بدعم الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي ولا تسعيان للديمقراطية وتصريحات الشيخ زايد بن نهيان رحمه الله عن إسرائيل وخطورتها على العرب وعلى الديمقراطية خير دليل، وما حدث في العراق من وعود بجعله جنة الديمقراطية الموعودة من قبل أميركا وإسرائيل لدليل آخر واضح وصادق لمن أراد أن يعتبر.

وفي ظل هذا الانحطاط العربي الكبير أتذكر ما قاله المرحوم الشيخ محمد الغزالي:

‏لقد قرأت رأي ابن خلدون فى العرب، وترددت فى تصديقه ثم انتهيت أخيراً إلى أن العرب لا يصلحون إلا بدين ولا يقوم لهم ملك إلا على نبوة، وأن العالم لا يعترف لهم بميزة إلا إذا كانوا حملة وحي، فإذا انقطعت بالسماء صلتهم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وغشيهم الذل من كل مكان. 

[email protected]



الكلمات الدالة