السبت - 05 كانون الأول 2020
بيروت 16 °

إعلان

حلول جذرية لمعالجة النفايات الصلبة

د. زاهي خليل*
حلول جذرية لمعالجة النفايات الصلبة
حلول جذرية لمعالجة النفايات الصلبة
A+ A-

يعاني لبنان منذ سنوات طويلة من التعثر في معالجة النفايات المنزلية الصلبة على الرغم كل خطط الطوارىء والدراسات والقوانين الصادرة وحملات التوعية والمشاريع المُنفذة، يترتّب عليها تكاليف اقتصادية وبيئية وصحية باهظة. يُنفق لبنان نحو 420 مليون دولار سنوياً على إدارة النفايات الصلبة ناهيك بالكلفة الصحية، بمعدل حوالى 150 دولاراً للطن الواحد بينما تنفق الاردن نحو 50 مليون دولار بمعدل 20 دولاراً للطن الواحد، مع فارق كبير في النتائج. وفي غياب استراتيجية شاملة وفاعلة ونتائج ملموسة في الإدارة الحالية للنفايات ما زالت الأمور تتفاقم سوءاً حيث تتوزع معظم النفايات الصادرة (حوالى 6000 طن يومياً) بين الطمر (51%) والرمي العشوائي (32%) في أكثر من 1000 مكب ينتشرون على مساحة البلد. كما شارفت المكبات الرئيسية على بلوغ أقصى قدراتها الإستيعابية منذرةً بأشد الأزمات البيئية والصحية والإجتماعية والسياسية. أما المشاريع المُنفذة فهي تعطي نتائج متواضعة جداً مع استرداد أقل من 17% من الموارد، لعدم كفاءتها وسوء إدارتها في ظل غياب سياسة حكومية توجيهية واضحة تركت للجهات المانحة والوسطاء المحليين تحديد ما يرونه الأنسب تقنياً. مع نُذر أزمة جديدة، يحتاج لبنان الرسمي إلى مقاربة علمية وموضوعية وإيجاد حلول جذرية متكاملة في إدارة النفايات الصلبة.

مع تطور تكنولوجيا معالجة النفايات الصلبة تتوزع طرق المعالجة بين الحرارية (الحرق – التفكك الحراري العالي – التفكك الحراري المتوسط – التفكك الحراري المعتدل، التفحيم،...) وتلك البيولوجية (التسبيخ – التخمير اللاهوائي – الطمر – التكليس...) لكل منها ميزاتها وشروط تطبيقها. يجب على الحكومات دراسة هذه التقنيات ومقارنتها (كلفة الاستثمار والتشغيل والصيانة، المساحات المطلوبة، نسبة إسترداد المواد ونوعيتها، احترام المعايير البيئية...) واعتماد التقنية أو التقنيات التي تحيط بكل جوانب المعالجة المتكاملة التي تتناسب مع خصوصية البلد. بالنسبة للبنان الذي يتميز جغرافياً بمحدودية المساحات المفتوحة وبنوعية نفايات منزلية تحتوي على نسبة مرتفعة من المواد العضوية (60-70%) بالإضافة إلى قلة الموارد المالية التي تفرض التواضع قليلًا في خياراتنا، يجب اعتماد خريطة طريق فنية متكاملة وتعميمها على جميع المناطق الخدماتية المُعتمدة، تستبعد الخيارات التقنية المكلفة وغير المناسبة. فتقنية الحرق مكلفة جداً (950 مليون دولار لإنشاء أربع محارق وكلفة التشغيل 100 دولارللطن الواحد) بحسب العرض الذي قدّمته الشركة الدانماركية عام 2011، ويعاد طرح هذه التقنية الآن لمدينة بيروت ولبعض المناطق الآخرى. هذه التقنية تتطلب نوعية نفايات بمحتوى حراري لا يقل عن 10 ميغاجول/كلغ لا يوجد في النفايات اللبنانية (أقل من 4 ميغاجول /كلغ) مما ينعكس ضعفاً في المردود الطاقوي وارتفاعاً في كلفة التشغيل، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على مستلزمات الصيانة بشكل صارم لتجنب إمكان التعرض للانبعاثات الغازية الخطرة كالديوكسين والحبيبات الدقيقة والرماد المتطاير. كما ان ضعف المحتوى الحراري وتالياً تدني الكفاءة وارتفاع كلفة الاستثمار والتشغيل لا يسمح باللجوء مباشرة

الى تقنية التفكك الحراري العالي (Gasification) وقبل التخلص من المواد العضوية. أما تقنية الهضم الهوائي لإنتاح الطاقة فلا يعد خياراً عملياً لتدني معدل الإنتاج مقارنة بكلفة الاستثمار والتشغيل العالية وصعوبة معالجة النفايات الثانوية (الحمأة في معمل صيدا). لذلك، وانطلاقاً من البحوث العلمية المُتصلة والخبرات العملية والزيارات الميدانية لمعظم المعامل في لبنان وكذلك الاطلاع مباشرة على كيفية عمل ومميزات أكثر التقنيات استخداماً في الخارج مع الحصول على العروض الفنية والمادية ومقارنتها، وتحقيقاً لمبدأ المعالجة المتكاملة، لا بد من طرح حلول جذرية مستدامة تدخل في إطار استراتيجية وطنية شاملة تقوم على المبادئ التالية:

1- من الناحية القانونية والإدارية:

· تعديل وتطوير القانون "الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة" الذي أقره مجلس النواب في 24 أيلول 2018، وسد الثغرات الكثيرة فيه وبخاصة لجهة التناقض في الطلب من وزارة البيئة (المادة 10) إعداد مشروع إستراتيجية وطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة،كما من الإدارات المحلية أيضاً (المادة 11) بإعداد مشروع برنامج محلي لإدارة التفايات الصلبة. يجب على الدولة أن تتحمل مسؤوليتها وأن تقوم بإعداد مخطط توجيهي موحد ومتكامل يأخذ بعين الإعتبار كل المعايير التي أشار اليها القانون مع تحديد تقنيات المعالجة للنفايات الأولية (النفايات الواردة) والنفايات الثانوية (المياه العادمة، العصارة، الحمأة، الرواسب الصلبة...) وتحضير دفاتر الشروط المناسبة وفرض تطبيقه في جميع المناطق الخدماتية. كذلك لم يفرق القانون في تعريفه للتفكك الحراري بين تقنياته التي تختلف اختلافاً جذرياً.

· تشكيل الهيئة الوطنية للإشراف ليس فقط على النفايات الصلبة بل على جميع أنواع النفايات (الخطرة وغير الخطرة، الصلبة، السائلة والغازية،...). من صلاحيات هذه الهيئة وضع المخطط التوجيهي العام للإدارة المستدامة وتحضير دفاتر الشروط ومؤازرة الوزارات المعنية (البيئة، الصحة،...) في الإشرف والمتابعة وتحضير دراسات الأثر البيئي.

- اعتماد اللامركزية الإدارية والتقنية والاتحادات البلدية كمناطق خدماتية من أجل تخفيض كلفة النقل العالية وتلافياً للحساسيات المناطقية وتطبيق شعار الملوث يعالج. يبلغ عدد هذه الاتحادات الرسمية 53 ولكن يمكن التعاون وضم تلك القليلة الإنتاج (تحت 100 طن/اليوم) لتخفيض عدد المنشآت الصناعية إلى ما دون 40. كذلك يجب إعتماد المحافظات الخمس الكبرى للخيار الثاني لمعالجة المخلفات والعوادم. تقع على هذه الإدارات الرسمية المحلية مسؤولية تأمين الأراضي للمشروع والمساهمة فقط في تكاليف الجمع والنقل والفرز من المصدر وليس في تمويل المشروع (المادة 28).

- إن عدم قدرة الدولة والهيئات المحلية (اتحادات ومحافظات) بقدر أكبر على تأمين التمويل اللازم لإطلاق المشاريع يفرض فتح مجالات التعاون مع القطاع الخاص من

ذوي الاختصاص أو الخبرة للصناعية في إطار المخطط التوجيهي العام والموحد ودفاتر الشروط.

2 - من الناحية التقنية:

- اعتماد التقنية المركبة لمعالجة النفايات المنزلية الصلبة التي تتألف من مراحل ثلاث (فرز آلي – تسبيخ – تفكك حراري) مع معدل قدرة الوحدات بين 100-300 طن /اليوم بإستثناء بيروت التي يمكن الاعتماد على المعامل الحالية (العمروسية والكورال) كما معمل الكرنتنينا للمتن وتحديثها بما يتناسب مع الخطة الموضوعة. بعد الفرز الآلي الشامل للنفايات الأولية الواردة (وليس كما يُطبق بالشكل حالياً!، ولم يفرضه القانون- المادة 21) والذي يعتبر المدخل الصحيح للمعالجة، يتم فصل كامل لمختلف مكوناتها. فالمواد المُمكن تدويرها (بلاستيك، كرتون، زجاج، معادن،..) يتم كبسها آلياً وتحضيرها للبيع للمعامل المختصة. كذلك المواد العضوية فتُحوّل إلى وحدة التسميد الحديثة لإنتاج السماد العضوي خلال فترة (7-10 أيام) بنوعية جيدة. هذه الأسمدة يمكن تسويقها بسهولة لدى القطاع الزراعي الذي يحجم عن المنتوجات المحلية لرداءتها ويستورد عشرات الالاف من أطنان المواد المغذية للتربة (الترب). أما جميع المواد المتبقية الجافة بنسبة (20-30%) من النفايات المختلطة (تعرف بالمخلفات وخطأ بالعوادم)، فيمكن إرسالها كخيار أول إلى وحدة المعالجة الحرارية حيث يتم تحويلها بالتحلل الحراري المعتدل (300 درجة) إلى زيوت صناعية تستعمل كوقود في التشغيل الداخلي ورواسب فحمية صلبة. في هذه المرحلة بالذات تسمى هذه الرواسب بالعوادم وتبلغ نسبتها من مجمل الكمية الداخلة إلى منشأة المعالجة 5% فقط. يمكن إستعمال هذه الرواسب الصلبة بعد معالجتها.

في الكثير من المجالات الصناعية (فلاتر،..) أو مباشرة من دون معالجة في تعبيد الطرقات بعد مزجها أثناء تحضير الطبقة الإسفلتية أو خلطها بالطبقات السفلية. أما الخيار الآخر فهو تحويلها إلى المطمر الصحي. إن تحديد نوعية ومكونات المنتجات الأساسية (سباخ، زيوت،...) والعمل على تحسين جودتها، كما تأمين المراقبة البيئية الجدية وتحديد نسب ونوعية الملوثات الغازية الصادرة، كما معالجة النفايات الثانوية (مياه عادمة، عصارة، حمأة،..) للتأكد من مطابقتها للمعايير المطلوبة يتطلب فرض التحاليل الدورية في مختبر داخل المنشأة يديره اختصاصيون (كيميائيون، بيوكيمييائيون...).

إذا اعتبرنا أن الكلفة الوسطية لوحدة المعالجة الكاملة بقدرة 150- 300 طن/اليوم يبلغ 7 ملايين دولار (4 ملايين دولار للمعدات + 3 ملايين دولار تقديرية للبنية التحتية) فتصبح الكلفة الإجمالية للتجهيزات بقدرة 8000 طن/اليوم (40 منشأة * 7 ملايين دولار) 280مليون دولار من دون احتساب البنى التحتية الموجودة. (العروض الرسمية مُتوافرة بكلفة أقل).

- استغلال البنى التحتية الحالية للمعامل الموجودة العاملة او المتوقفة وعددها 19 والمُنتشرة في أكثر المناطق اللبنانية لتحديث تجهيزاتها بحسب المخطط التوجيهي العام وتخفيض الكلفة الإجمالية للإستثمار والإنطلاق سريعاً نحو تنفيذ المشروع النموذجي الأول.

-استغلال المساحات المسقوفة لإنتاج الطاقة الشمسية والمساعدة في تخفيض كلفة المعالجة. إذا اعتبرنا أن معدل المساحة المسقوفة للمنشأة 5000 م2 ( 2000 م2). 

للفرز الآلي+ 2000م2 للتسبيح + 1000م2 للمعالجة الحرارية) فتصبح القدرة الإنتاجية للمنشأة 800 كيلووات بكلفة 0.5 مليون دولار ويجعل الكلفة الإجمالية للإستثمار في إنتاج حوالى 32 ميغاوات من الطاقة الشمسية يبلغ 20 مليون دولار. هذه الطاقة المنتجة تسمح بتغطية كامل احتياجات المنشآت والفائض يمكن ربطه بالشبكة العامة تنفيذاً للعقد الموقع مع مؤسسة كهرباء لبنان ضمن دفتر الشروط الأساسي.

- اعتماد الفرز من المصدر كخيار مساعد وإستراتيجي للحفاظ على الموارد الطبيعية بموازة البدء بعمليات المعالجة وليس قبلها كما تم التثبت من عدم جديتها، مما يسمح بزيادة فعلية في نسبة ونوعية المواد القابلة للتدوير (البلاستيك، معادن، كرتون...) والتحويل (السماد) وزيادة العائدات المالية. إن اختيار نظام يعتمد على فصل النفايات في المنزل أو في نقاط التجميع في مستوعبين منفصلين للمود الجافة والرطبة فقط هو الأكثر واقعية وفاعلية.

- تأمين مطمر صحي واحد على الصعيد الوطني وبحسب المواصفات العالمية للتخلص من جميع العوادم الناتجة من المعالجات الحرارية للنفايات المنزلية ومن معالجة النفايات الطبية والصناعية وغيره.

أما الخيار الثاني المُمكن والمُتمم لعملية معالجة المخلفات يكون بتطبيق تقنية التفكك الحراري العالي ((Gasification واعتماد المحافظات الخمس الكبرى كمناطق خدماتية. تجمّع المخلفات شبه الجافة من جميع المناطق الخدماتية الاولية

(الإتحادات) بكميات ترواح بين 1200-1800 طن/اليوم وتحويلها إلى طاقة كهربائية تقدر بـ30 ميغاوات. ينتج من هذه المعالجة نسبة قليلة من العوادم لا تتعدى 3% يتم إرسالها إلى المطمر الصحي. هذه الطاقة المُنتجة يمكن استعمالها بالطبع لتغطية الإستهلاك الداخلي للمنشآت، أما الفائض فيربط بالشبكة العامة من خلال عقد موقع مع مؤسسة كهرباء لبنان ضمن دفتر الشروط الأساسي.

إذا اعتبرنا أن الكلفة الوسطية لوحدة المعالجة بالتفكك الحراري العالي بقدرة 300طن/اليوم من المواد الجافة يبلغ 15 مليون دولار (12 مليون دولار للمعدات زائد 3 ملايين دولار تقديرية للبنية التحتية) لإنتاج 5 ميغاوات في كل وحدة، فتصبح الكلفة الإجمالية (5 منشآت* 1 مليون دولار) = 75 مليون دولار.(العروض الرسمية متوافرة بكلفة أقل).

إن الكلفة الإجمالية للحلول المطروحة في خطة معالجة النفايات المنزلية لا تتعدى الـ 300 مليون دولار من دون احتساب قيمة خفضه من البنية التحتية الموجودة مع الخيار الأول لمعالجة المخلفات، وبمعدل 350 مليون دولار مع الخيار الثاني، في الوقت الذي رصد مبلغ 1.4 مليار دولار في مؤتمر "سيدر" للاستثمار في هذا الملف. من مميزات هذه الخطة أن التقنيات المطروحة تعمل وتتكامل وفق أحدث المعايير العالمية في المحافظة على البيئة والصحة العامة، مما يؤدي إلى التخلص نهائياً من المطامر الصحية والعشوائية. مع التسبيخ والتفكك الحراري المعتدل (أقل من 350 درجة) يمكن التحكم بالانبعاثات الغازية ومعالجتها قبل إطلاقها في الجو ولا تؤديان إلى إنتاج المواد الخطرة كالديوكسين، التي يتم تدميرها تماماً كما في تقنية

التفكك الحراري العالي ( أكثر من 850 درجة). مع هذه التقنيات يمكن معالجة جميع النفايات الثانوية كالمياه العادمة والعصارة بسهولة، والاكتفاء بمطمر صحي واحد فقط للتخلص من العوادم التي اصبحت نسبتها لا تتعدى 5%. كذلك تتكامل التقنيات المطروحة للمحافظة على الموارد الطبيعية وزيادة نسبة استردادها بالفرز من المصدر ثم بالتدوير والتحويل، مما يؤدي إلى زيادة العائدات المالية والإقتراب من تصفير كلفة المعالجة الفعلية. لذلك، إن تحديد كلفة المعالجة للمستثمرين بين 30-04 دولار/الطن كحد أقصى وتقدير كلفة المعالجة السنوية الإجمالية بنحو 200 مليون دولار يصبح هدفاً واقعياً. إن اعتماد بنود هذا المخطط التوجيهي متكاملاً ضروري جداً لتفادي الإنتقال الدائم من مشكلة معالجة النفايات الأولية الواردة إلى مشاكل أكثر حدة في كيفية معالجة النفايات الثانوية (مخلفات، حمأة...). يُشكل هذا المخطط مادة جذب للاستثمار في هذا المجال من قبل القطاع الخاص وفرصة لإطلاق مشاريع التنمية المحلية في المناطق الريفية وتوظيف الكفاءات فيه، ونقطة انطلاق المسار الصحيح للمعالجة الجذرية لملف النفايات الصلبة في لبنان.

*دكتور مهندس في الصناعات الكيميائية وخبير بيئي. أستاذ وباحث في الجامعة اللبنانية

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم