الجمعة - 23 نيسان 2021
بيروت 21 °

إعلان

وجوه ناجية من الكارثة تعتريها الندوب... ذكريات موجعة من دماء ودمع (صور)

المصدر: "النهار"
شربل بكاسيني
وجوه ناجية من الكارثة تعتريها الندوب... ذكريات موجعة من دماء ودمع (صور)
وجوه ناجية من الكارثة تعتريها الندوب... ذكريات موجعة من دماء ودمع (صور)
A+ A-

عام 2014، سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" على مدينته منبج، شمال #سوريا. انتقل مخول الحمد مع عائلته إلى بيروت، وكانت سما، ابنته الصغرى، تبلغ عاماً واحداً. هربت الطفلة من موتٍ محتوم، لتعود فتعاينه مرّة أخرى، بعد أسابيع على احتفالها بربيعها السادس. لحظة الانفجار، كانت سما تقف أمام النافذة المطلّة على المرفأ. تطاير الزجاج إلى عينها فعاث بها، وأطفأها. صراخ وألم هزّا ذلك المنزل المتواضع في منطقة مار مخايل، وساعات مرعبة عاشتها الطفلة التي لم تتسنَّ لها رؤية العالم الذي يحلم به كلّ طفل.

وجوه حزينة تضيق الصدور لرؤيتها، تجوب شوارع مدينة تتآكّل ببطء. تحاول قطع الشاش الأبيض أن تستر مأسوية المشهد، فتبعث في الناظر قشعريرة مخيفة. هي تلك الوجوه التي لم ترَ من بيروت سوى الهمّ والألم. تلك الوجوه المثقلة، التي تطلّ على الحياة من جديد، من كوّة ضيّقة، لتعانق السماء. وجوه اعترتها الندوب، وترك الدمع الحار فوقها أثلاماً، باردة، شاحبة، لا فرق بينها وبين وجوه الشهداء، فكلّنا أموات من الداخل، وكلّنا جثث تجتازها الأنفاس فتحرّكها على مضض، كريحٍ تعصف بقصبٍ يابس.

عمُّ سما كان حاضراً أيضاً. جاء من الكرنتينا إلى مار مخايل لزيارة شقيقه ومساعدته على تثبيت خزانة على الحائط المقابل للمرفأ. "سقطت على رأسي، كما الموت، فهشّمته"، يقول. يحمد الله على كلّ شيء، وتدمع عيناه كلّما فكّر بالألم الذي هرب منه في سوريا، فتواعد وإياه في بيروت، في المدينة الآمنة، البعيدة من داعش وبطشها وتفجيراتها.

كبيروت، تقف يارا السعيد على مشارف حياة لا رحمة فيها ولا عدالة. مَهَرت جريمة المرفأ وجهها وقضّت مضجعها، حتى فقدت الطمأنينة والأمان. "رأت وجهها في المرآة من دون أن تعي ما الذي حصل"، يقول والدها لـ"النهار". يصعب تخيّل وجهها مضرّجاً بالدماء، هي التي كانت تحتفي بالحياة. استغرق الأمر عشر ثوانٍ حتى تطايرت نوافذ منزلها، في الكرنتينا، وتساقطت صورها التي احتضنتها الجدران، تاركةً على وجنتيها أثراً بالغاً حوّل منزلها من مكان آمن إلى جحيم.

ليلة الكارثة لم تنم سهام. جلست عن باب دكانها، في مار مخايل، ليالٍ خمس، لتحرسه، هي التي يطلق عليها أبناء المنطقة لقب "ماما". حالها كحال الآلاف ممّن شهدوا واحداً من أعنف الانفجارات حول العالم. صبرت، وسلّمت مشيئتها إلى الله، وتحمّلت آلامها بصمت. "كنت أغفو وأنا أحرس الدكان"، تقول، "وكلّما غفوت، أيقظني الألم مجدّداً". هي واحدة من أولئك الذين ظنوا أنّ أهوال الحرب غابت عن بيروت يوم انتهت حرب تموز، وخاب ظنّها. "موجوعة"، هذا كلّ ما تقوله.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم