السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 30 °

ما تبقّى من شرفة تطلّ على المدينة المنكوبة

المصدر: النهار
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
ما تبقّى من شرفة تطلّ على المدينة المنكوبة
ما تبقّى من شرفة تطلّ على المدينة المنكوبة
A+ A-

الموسيقى تصدح من الطابق السادس وبيار يُريد أنغامه هذا الصباح صاخبة، غاضبة. يغني بصوت عال ومنى في الطابق الرابع تنزعج من هذه "الطرطقة عند هالصبح. شو مفكّر حالو مغني أوبرا؟". يُجيبها بيار بين جملة موسيقيّة وأخرى، "هارد روك، تانت، هارد روك". وهي "تُبربر" وتشكي أمرها لصونا في الطابق الثاني. تطل رأسها من شباك المطبخ الذي أصبح في خبر كان وتصرخ: "كأنو عايشين عند بعضنا يا صونا. رجعنا عالقرون الوسطى". وميمو في الطابق الثاني، تتصل بشقيقتها قائلة بعصبيّة تُجاور "التسمسم"، "ولك يا أختي، بلاها هالتظبيطات. تعي نطلع نسكن ببحمدون. أنا كل عمري عندي إحساس أنّو راح إنفق بالضيعة". وجوسلين في الطابق الثالث تستمع إلى الصلوات بصوت عال وتُحاول أن "تُغطّي" على أنغام الهارد روك المُترنحة من شقة بيار. وبين ترنيمة وأخرى تتشاجر مع كوليت في الطابق الأول وتشمت فيها من بالكون غرفة النوم، "شفتك كل النهار طالعة نازلة عم تاخدي سندويشات من الجمعيات. أنا قنّينة ميّ ما أخدت، أنا ما بمد إيدي إلا لربي". وفجأة تظهر منى على بالكون غرفة الجلوس، "ولك يا بيار رحمنا من هالأوبرا. نطور تيعطي مفعول دوا الأعصاب". وهاغوب يلتقط الصور للستارة التي طارت من الطابق السابع، واستقرّت على مسمار جدار المبنى المقابل، ويُلقي قصيدة باللغة الأرمنيّة، ويقول لفريدة التي "تتلصلص" على الرايح والجايي من بالكون الصالون الرئيسي الخالي من الأثاث والمتصدع: "مدام فريدة أنا بدي هاجر ع أرمينيا وصير شاعر. بسكّر الكاراج وبكتب شعر".

وهادي، جغل الحيّ وديكه، يتشاجر مع مارسيل، صاحبة المحل على الرصيف بأعلى صوته لكي تسمعه وسط ضجيج العمّال، "ولك يا ميمو، حطّيلي الجبنة بالسلّة، جوعان، مخوّر". وناريمان تُحاول أن تُبشّر بالمحبة لجارتها أوغيت من بالكون المطبخ، "بالمحبة منتغلّب عالشرّ. عانقي الكون وإتحدي بذبذباته يا أوغيت". والعمّال في المباني المُجاورة ينفضون الغبار عن الرعب الذي التهب المدينة واستقرّ في روحها، "مشكورة ستّنا، بعدنا شاربين ركوة قهوة". وجانيت في المبنى المُطل على الشارع الرئيسي تتواجه بعنف مع مارسيل لأنها تضع الموسيقى الثائرة، "لا يا حبيبتي مش لأني عونيّة ما بدي الموسيقى، بس لأنك قرعتيلي راسي. يا ما أحلى الانفجار". وفريدة تهمس لإبنتها، "ولك جارنا الدكتور جان بياكل من الطنجرة! تصوري دكتور طويل عريض بياكل من الطنجرة. وشو ناقصو يحط صحن متل كل البني أدمين"؟ وسليمى تقف على الشرفة التي طار منها الشباك، وتحاول أن تجد طريقة لتهاجر إلى كندا، وفي الوقت عينه تتشاجر مع صديقتها المنهارة باستمرار، "ولك يا ميّ، يا بومة، ما تسكّريها بوجّي. أي حرب بعد بدّها تجي؟ ما نزلت علينا قنبلة نوويّة يا حبيبتي". وسمران العجوز قرر أن يعيش في الماضي، "وبيناتنا يا كوكو، ما حدن بيلومو. بس عم فكّر حطلّلو ديمول بدل السولباديين لأخلص من نقّو. كل الليل بيعن يا مخلوقة وهوي أنجأ إنجرح بإيدو". وسوسن السبعينيّة تبدّل ملابسها أمام المرآة في غرفة نومها الخالية من الشبابيك، "كل شي خمس دقايق"، ولا مانع لديها في التغندر نصف عارية أمام الجيران المفجوعين، "ولك يا جوسلين يا حبيبتي كنا متنا. تركيني مبسوطة بتضاريسي". 

بيروت اليوم، رواية "كارامازوفيّة"، (تيمناً برواية الأخوة كارامازوف التاريخيّة). يليق بها فنجان القهوة الذي نحتسيه ببطء ونحن نشهد على هذه اليوميّات المُحبّبة. نضحك ونبكي لأننا "متنا وعشنا وبقي مين يخبّر".

 [email protected]

الكلمات الدالة