الخميس - 26 تشرين الثاني 2020
بيروت 19 °

إعلان

"صمت النواقيس" لفتحية دبش: صوت يمزّق السكوت

المصدر: "النهار"
يوسف طراد
"صمت النواقيس" لفتحية دبش: صوت يمزّق السكوت
"صمت النواقيس" لفتحية دبش: صوت يمزّق السكوت
A+ A-

كتاب "صمت النواقيس"، الصادر عن "دار تطوير للنشر والتوزيع" في القاهرة، للأديبة التونسية فتحية دبش، هو صوت محراب في نطق جوهري لا لبس فيه ضمن جامع الحياة. يقارع تقاليد، يعرض أهوالًا يُطبق عليها صمت المجتمعات، لاستمرار الغبن وتخلّف المجتمع وحجب الحقوق. وحده حبرها، حبلٌ رُبطت فيه نواقيس خرجت عن صمتها، وطَنَّ نحاسها في ارجاء الوطن.

إن صمَم المجتمعات، وتعوّدها على نمط حياة من الأزل، وحفاظها على تقاليد تفضح كراماتها بدل حفظها، تبقينا في دوامة التخلف. هذا الصمم، جعل من هذه القصص الواقعية معبّرة مترجمة في حبرٍ من صنع الأدب، على ضفاف جداول الرقي المشع إشعاع الوعي.

كلام هادف، من "شموع الإهداء" مرورًا بشكوى "المخصي" قسوة الحاكم للجلّاد، وترقرق دمعه على صخرة الروح. إلى التمرد على الطقوس، وعدم الخوف من تحرّش الموتى، عندما خالفت امرأة النواميس، وذهبت إلى دفن زوجها، وصلّت دون وضوء في قصّة "مأتم".

فوصْف آلام المخاض، الذي لم يترك للصوت أن يمزّق بقايا الصمت المحدِق بالأم، واستمرار البؤس بعد الولادة والشعور بطوق الفراغ، عندما تركوا لمساحات صراخها الضيّقة نوافذ يتسلل منها غول الانهيار، وأصبح لها صفة أم في أقصوصة "ولادة".

واعتراف مكتوم عند صعود برج إيفل، ففي أقل من نصف عشرِ ثانية، مرّت حياة بكاملها في مخيلة امرأة تريد توبة فورية، للذهاب إلى خالقها، بعد عمر حسبت نهايته أتت في لحظة عبر قصّة "حساب".

خلال "مواسم العطش" ومواعيد الأشجار ولغّتها ودغدغة الكبرياء لصغيراتها، يبقى السؤال هل أن صوت الأشجار لعامل النظافة حياة لها؟.

تقاسَم المكان والموت مع الجنين في أقصوصة "زينة حياة الدنيا"، و"طوق الياسمين" الذي كلّل جيد الفراغ وصفر الصقيع، روته دموع طوّقت القمر ولوّنت عتم الليل وثوب القداسة الذي يرتديه الغريب والذي يخفي الإرهاب المخفي.

فإلى حدث منيرة وعدم خوفها من الرجال ووقود رأس البركان في قصّة "هي وهو والكلاب"، وعيون النباح الذي يطوِّق الخطوات.

أمّا التميّز في قصّة صمت النواقيس التي عُنْوِن بها الكتاب، فنجد معان مفرداتها مخجلة، من صميم واقع فظ جعل الابنة تقول لأمها: "أمي لا أريد أن أدخل خلوة الأب راؤول".

في حين أن قصّة "امرأة أنثى" التي جاءت ضمن إحدى وثلاثين قصّة، بَنَتْ مداميك المبنى الجميل لكتاب صمت النواقيس، كانت مشتركة مع الكاتب السوري ناصر محمد. وخواطر رائعة في البدايات والنهايات وخضم السرد.

خيالٌ جامح إلى الواقع، زُرع في أرض الفكر، فنبتت منه قصص قصيرة متشابهة في الهدف الهادف للتقويم، والإضاءة على مآسي الشرق والوطن العربي. لكلّ قصّة، علامة فارقة في إيصال المضمون إلى القارئ، بطرق عديدة غير ملتوية، تتميّز بصراحتها المطلقة، ونمطها الرائع، الذي انفردت فيه الكاتبة العربية التونسية فتحية دبش. ففي كلّ فقرةٍ، معنى موصوف بأدبٍ مميّز، يختلف نوعًا ما عمّا ألفناه في وطننا الحبيب لبنان، بمفردات خاصّة جميلة، تعطي الانتباه إيقاعًا ساحرًا، وكأنك تستمع إلى مرافعة مشوّقة على ناصية قوس محكمة في تونس.

بالرغم من هذا الشلال الهادر من الأدب، الذي يُسمع صوته بعيدًا، مصلحًا، هادفًا، واضعًا الأسس لنقد المجتمع، فما زالت نواقيسنا صامتة، تقيّدنا التقاليد، التي تمنعنا من امتشاق حبل يدّق أجراس الخطر. حدس القارئ يقول، أن هذا الكتاب سيبقى نبراسًا الى الأبد، يُقرأ أسفارًا قصصية، وستبقى المجتمعات على تقاليدها البالية. فمجتمعاتنا تستورد السيارات والازياء من الغرب المُصنِّع، وتهمل سن القوانين التي تحفظ الحقوق المحقّة المتمتِّعة بها الدول المتطورة، والتي تفرض المساواة بين جميع الشعوب والأجناس والألوان.

يبقى شعبنا يحلم لينام مهما قرأ وتثقّف، يجعل القهوة والشاي وليمة لكسل الوقت الفائض، حيث أن النساء أطياف رجالٍ دون هوية. ويستمر بالجلوس على مقاعد شاردة أمام خطى العابرين، المتأرجحة بين أقدار الشرق والغرب. حتى ولو كانت الطريق مستقيمة فغباء القوافل مسيطر.

عندما نقرأ فتحية دبش، نقطف من دوالي السماء ضياء النجوم ليرتسم حبرها خلاصًا فوق الغمام.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم