السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

من بيروت، لقلبنا سلام ورسالة...

المصدر: النهار
سينتيا الفليطي
من بيروت، لقلبنا سلام ورسالة...
من بيروت، لقلبنا سلام ورسالة...
A+ A-

الرّابع من آب 2020، انفجار هائل زلزَل لبنان. قتل العشرات، جرح الآلاف، وخلّف وراءه مئات المفقودين. لن أدخل في جدال حول من وكيف ولماذا، تبّاً للسياسة والتحليلات، سئمت ومللت كل شيء.

منذ ذلك التّاريخ، أشعر بثقل كبير في داخلي، لا أرى هذه الأيام سوى من يتنهّد كثيراً علّه يزيح عن صدره بعض الهموم، لكنكم عبثا تحاولون. أحاول إلهاء نفسي بأي شيء كي لا أفكّر في الموضوع، لكنّني لا أستطيع. كلٌّ منا يحزن على طريقته.\r\n

أعرف كثيرين لم يستطيعوا زيارتي بعد ولا حتّى التعمّق في البحث عما خلّفه الإنفجار. نعم، لا يستطيعون التحمّل. هجروني لأنّهم لم يستطيعوا تحمّل ما كنت أعيشه من مآسٍ وأحزان في السنوات الأخيرة. هذا وأنا في عليائي، فكيف والجراح تُدميني؟\r\n

بيروت التي عرفتموها، هذه المدينة العريقة النّابضة بالحياة تلفظ أنفاسها مرّة جديدة، وأقول مرّة جديدة لأنّه من مشيئة القدر، أن لا أموت ولا أحيا.\r\n

يا أبناء وطني، لو أنّكم أحببتم بعضكم بعضاً كما أحببتكم، لما وصلتم إلى ما أنتم عليه الآن. لو أنّكم عاملتم بعضكم بعضاً بإنسانيّة ووطنيّة، لما انهار وطننا وتهدّمت بيوتكم وضاعت أحلامكم ومستقبل أبنائكم واحترقت أرزاقكم. لو أنّكم لم تكونوا طائفيين ومذهبيين ومتوحشين وأعداء لوطننا، لما سُفكت دماؤكم على الطّرقات رخيصة، لا يأسفنّ عليها أمراء الحرب المجرمون.\r\n

أحبّوا بعضكم بعضاً قبل أن تحبّوني، هذه رسالتي لكم في كل زاوية مفجوعة. ها أنتم من جديد، تشمّون رائحة الموت التي عرفها أجدادكم وتتناقلوها من جيل إلى جيل، ألم تشبعوا موتاً وقهراً ووجعاً بعد؟ \r\n

يا أبنائي، من أجل من؟ من أجل ماذا؟ جميعهم مخطئون ولا يستحقون. زعماؤكم أشرار وأعداء لهذا الوطن. لقد رأيت أمًّا تبكي عيون ابنها العسليّة وأخرى تنعى ابنتها في موعد زفافها. هذا الذي فقد طفلته التي لم تزهر بعد وذاك الذي دفن ابنه الوحيد في زهرة شبابه. من أجل من، من أجل ماذا؟ أختٌ لم تر عيونها النّوم وهي تنتظر خبرا يبرّد قلبها. أخٌ مرميّ خلف باب أو عمود. وعجوز منسيّة تحت حفنة من الإسمنت. من أجل من، من أجل ماذا؟ البيوت والمقاهي التي كانت تعجّ بالفرح والحياة، تفوح منها اليوم رائحة الموت الكريهة فتفطر قلب شبابكم الذين يكنّسون الشوارع ودموعهم في آن.\r\n

أحبّوا بعضكم بعضاً قبل أن تحبوني. خمس عشرة سنة من الحرب الأهلية، من الذبح والقتل والبغضاء، وجروحي وجروحكم مفتوحة تنزف بلا شفقة ولا رحمة.\r\n

واليوم، هم المتربّعون على العروش ذاتها، بإهمالهم ووقاحتهم، جعلوني وإياكم نتناثر أشلاء أشلاء على حافات الطّرقات. \r\n

لم أمت قلتُ ولن. دعوني إذاً ولملموا جراح بعضكم، إرحموا دماء الشهداء، ثوروا وانتفضوا، أحبّوني أكثر ممّا تحبّون جلاديكم، فأحيا.


الكلمات الدالة