السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

متطوّعون يملأون غياب الدولة... "لن نتخلّى عن بيروتنا"

المصدر: "النهار"
شربل بكاسيني
شربل بكاسيني
متطوّعون يملأون غياب الدولة... "لن نتخلّى عن بيروتنا"
متطوّعون يملأون غياب الدولة... "لن نتخلّى عن بيروتنا"
A+ A-

حملوا رفوشهم ومكانسهم وعقدوا العزم. وُجهتهم المدينة المنكوبة. هم الذين خرجوا، قبل أشهر، حاملين علم لبنان، دونه كلّ الرايات الحزبية، التي شلّعت بيروت أمس الأول. نكبة حلّت بـ"باريس الشرق"، فهبّ اللبنانيون لمداواتها في ظل تقاعس الدولة وكل أجهزة الدولة بالإغاثة المطلوبة للناس.

في شارع "غورو" البيروتي، في منطقة "الجمّيزة"، سال دمع حارّ من أعين متطوّعين شباب، تاركاً خنادق ملتوية على الوجوه الغُبرة. على أرض كساها ركام المنازل التي طالتها عبثيّة الحرب مسبقاً، سار شباب لبنان، يحدوهم الأمل بإرجاع شيئاً من الأمل لسكان منطقة الجميزة- مار ميخائيل، وبقيامة بيروت من تحت الركام.

"هذه بيروتنا. هذه جمّيزتنا. سنعيدها كما كانت". يصدح صوت سحر (23 سنة) من وراء كمّامة كساها الغبار، حاملاً وجعاً لا قرار له، كالألم الذي اعتصر قلب أهلها قبل نحو 40 سنة. لعلّ المشاعر القاتمة على مدينتنا تنتقل بالجينات. "لن أقول أننا لا نريد من الحكام شيئاً. لكننا على يقينٍ من أنهم لن يتحرّكوا لنجدة أهلنا. فليخجلوا! أنا الطرابلسية، تركت هموم مدينة فيها ما فيها من مصائب، وسارعت لرفع أنقاض بيروت"، تصرخ سحر. "هؤلاء أهلي، ولن أتخلّى عنهم. تلك عادات السياسيين، نترفّع عنها نحن".

المشهد يُدمي القلب. ذاكرتنا الجماعية أصيبت بشظيّة خرساء. لا يهم. "بالحجر وليس بالبشر". في ساحة الشهداء، نصبت الجمعيات الأهلية والمنظمات الدولية وغير الحكومية خيامها. الصليب الأحمر وضع ثلاثاً منها في خدمة المتأذّين نفسياً وجسدياً. منظمة "النجدة الشعبية" اللبنانية رفعت الجهوزية التامة كذلك، في اليوم التالي للفاجعة. وبين توزيع ملابس وحصص غذائية والمشاركة في رفع الركام، تخطى عدد المتطوّعي في "النجدة" المئة، اليوم. كما كان لمنظمة "اليونسيف"، التابعة للأمم المتحدة، حضوراً فعالاً في مساعدة الأطفال، بالأخص على الصعيد النفسي.

في الطرف الشرقي لساحة الشهداء، وأمام مسجد محمد الأمين، الذي ألحق به انفجار المرفأ أضراراً فادحة، افتُتحت مستوصفات نقالة، يعمل فيها أطباء متطوّعون، مستقلّون، على تضميد الجراح وتقديم ما تيسّر من المسكّنات وعبوات المياه. يساعدهم في منطقة مار ميخائيل تلامذة من مدرسة "ميلكارت" في بعبدا، ساهموا في توزيع الطعام والماء على المتضرّرين والمتطوعين في إزالة الركام.

"نريد أن نضمن أنّ أحداً لن يجوع"، يقول ميشال (33 سنة)، "جئت من جزين إلى بيروت لأخدم المدينة التي لطالما عانت، وأبنائها". يجوب ومجموعة متطوعين آخرين شارع "أرمينيا" في "مار ميخائيل"، حاملين سندويشات ومناقيش. "نشعر بوجع الضمير لبقائنا في منأى عن الدمار، نريد المشاركة، وإن بطريقة مادية بسيطة".

شوارع الأشرفية والسوديكو والباشورة امتلأت بالباصات والسيارات. يُصرّ المتطوعون الذين قدموا من المحافظات كافة على "البقاء إلى جانب الإخوة البيروتيين ليومين، وربّما أكثر"، كما تشرح ريتا (42 سنة)، القادمة من زغرتا، في مشهد مؤثّر، يذكّنا بأن المجتمع المدني ينجح حيث تفشل الدولة، وأنّ الجمعيات الأهلية تداوي ما أخفقت بالحفاظ عليه المؤسسات الحكومية.

الكلمات الدالة