السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 30 °

مرثيّةٌ أوّليّة لبيروت ولمئويّة لبنان الكبير

عقل العويط
عقل العويط
Bookmark
مرثيّةٌ أوّليّة لبيروت ولمئويّة لبنان الكبير
مرثيّةٌ أوّليّة لبيروت ولمئويّة لبنان الكبير
A+ A-

اطمئِنّي. اطمئِنّي. هو محضُ مشهدٍ قياميٍّ، لا أكثر.

فلا تهلعي يا صغيرتي، يا امرأتي، وحبيبتي. \r\n

ولا ترتجفي يا مدينتي، وأنتِ لا تخافي البتّة أيّتها البلاد.\r\n

ليس المشهدَ الأوّلَ، بالطبع، لكنّه – انتبِهي - لن يكون المشهدَ الأخير. \r\n

إضحكي في عبّكِ. فقد كان مشهدًا مبسّطًا وتجريبيًّا ليس إلّا، على طريقة مَن يبسّط المَشاهد، ويجرّب، قبل أنْ يصل إلى سدرة المبتغى ومنتهى المعاصي والفعائل.\r\n

أرضُكِ اليبابُ خضراءُ ومعطاء. معطاءُ وخضراء. إلى اليوم الأخير.\r\n

وأرضُكِ مُشتهاةٌ.\r\n

وأرضُكِ سماؤكِ، وهي قبرُكِ، في آن. \r\n

مبارَكةٌ أرضُكِ، وملعونةٌ ومشتهاةٌ، إلى آخر الدهر، وإلى اليوم الأخير.\r\n

خشبُ مسرحِكِ غشّاشٌ سطحُهُ الظاهرُ، ومتين.\r\n

عَطوبٌ خشبُ مسرحِكِ هذا، وهشٌّ باطنُهُ الخفيُّ.\r\n

حسّادُكِ يعرفون مسرحَكِ جيّدًا. ويعرفون ظاهرَهُ وباطنَه، وبيِّنٌ هو جوهرُهُ النقيّ.\r\n

وكم يعرفون أنّ الوصول إليه سهلُ المنال، ومن الجهات كلّها. وكم يعرفون تاريخَ الجغرافيا، وسُبُلَ الاختراق في الواقع، وفي الافتراض.\r\n

صالتُكِ المُشيَّدةُ خصّيصًا لاحتفالاتٍ كهذه، فسيحةٌ ورحبةٌ وكريمةٌ للغاية، كما خشبتُكِ الدائريّة التي يؤمّها أهلُكِ وقَوّادوكِ، والمُخرجون والمتفرّجون يؤمّونها من الجحيم والسماء، ومن الأرض والقبور، في الآن نفسه وعلى السواء. \r\n

اطمئِنّي. اطمئِنّي. هو محضُ مشهدٍ قياميٍّ لا أكثر. \r\n

لكنّكِ تعرفين، وتعرفين.\r\n

تعرفين أقدارَكِ، وتعرفين جلّاديكِ. هؤلاء وتلكَ، سيّانٌ بسيّان. فلا تتفاجئي. إنّي أتوسّل إليكِ ألّا تتفاجئي.\r\n

هم يُهيّئون لكِ، ولا بدّ، مشاهدَ وفصولًا متلاحقة، فاستعدّي جيّدًا لعروضكِ غير المسبوقة، ولأعراسكِ المقبلة. \r\n

ينبغي لكِ، من باب الاحتراز، أنْ ترتدي أثوابًا طيّعةً، وفضفاضةً، لئلّا يخدش جلدَكِ ثوبٌ ضيّقٌ خَشِنٌ وغيرُ مطواع.\r\n

ينبغي لكِ أِنْ تُعِدّي العدّةَ، ليكون حفلكِ الموعود لائقًا بالمصير. \r\n

ما يُتَوَقّع لكِ من مستقبلٍ دنيء، وما ينتظركِ من استحقاقاتٍ جهنّميّة، أخطرُ من مواهب الافتراض والتخييل، ومن أفلام السينما التي لم تُعرَض، بعدُ، على شاشات، وأفظعُ ممّا لم يُكتَب، بعدُ، من قصائد المقابر البحريّة والبرّيّة والأرض الخراب. \r\n

ألَا يكفيكِ أنّ القائمين بأودكِ رابطو الجأش، نحاسيّو الوجوه، زجاجيّو الأعين، ونيرونيّو الأيدي والقلوب والعقول؟!\r\n

ألَا يكفيكِ أنّكِ آيةٌ وهشّةٌ وجميلةٌ، ككتب الأنبياء، وكالمسبيّات، وكنساء الشرفات العاليات الحصينات؟!\r\n

ألَا يكفيكِ أنّكِ، بسبب ذلك، ولأجل ذلك، لا بدّ أنْ تكوني لعنة جمالِكِ الفذّ، كما مشتهى المشتهين ومبتغى الباغين؟! \r\n

جسدُكِ ياسمينٌ، يا صغيرتي، يا امرأتي، وحبيبتي.\r\n

وجسدُكِ بضٌّ، وشاعرٌ، وموجوعٌ، يا مدينتي، وبلادي. \r\n

وَكُلُّكِ بخورٌ، يا امرأتي، وحبيبتي، ويا مدينتي، ويا أيّتها البلاد، يا بلادي.\r\n

رأسُكِ شوكٌ وبخورٌ.\r\n

وقدماكِ بخورٌ. \r\n

وعطرُكِ، قَدَماكِ الّلتان على بحر، وهُما مرٌّ ولبانٌ وبخور. \r\n

وطيّبٌ هو وجودُكِ، وطيّبٌ هو كيانُكِ، كمثلِ طِيبٍ ليس له نوعٌ مُوازٍ، ولا مثيلٌ في الاحتمال والتخييل، وليس حتّى في حنكة الافتراض وفلسفة التجريد.\r\n

وطيّبٌ مذاقُكِ، وشهيٌّ، ومجّانًا هو، ومُسامِحٌ غَفور، مدى الأعمار والعصور.\r\n

... لكنْ! لكنْ، مَن أنا لأكونَ وصيًّا يعلن أقدارَكِ على الملأ، أو شاهدًا يدلّ على الجلّادين، وأنا محضُ لا شيء. أنا، حيالكِ، يا مدينتي وبلادي، محض لا شيء البتّة.\r\n

اطمئِنّي. اطمئِنّي. كان مشهدُ أمس، محضَ مشهدٍ تبسيطيٍّ تجريبيٍّ قياميٍّ فحسب. \r\n

وقد سهرتُ عليكِ طوالَ ليلِ أمس، كما لم تسهرْ شجرةٌ مكسورةٌ فوق جبل زيتونٍ، مهيضٍ وجريح. \r\n

لم يكن عندي عملٌ آخر أفعله سوى أنْ أهرق عليكِ ما بقيَ من قلبي.\r\n

ماذا يستطيع كائنٌ عدميٌّ أنْ يفعل سوى أن يراقب اجتهادَ العدم، وساديّةَ شهواتهِ القياميّةِ فيكِ؟!\r\n

يمكنني أنْ أستعيد معكِ ذكرى زلازلكِ السبعة، لتضيفي إلى السجلّ زلزالكِ الذهبيّ الثامن هذا. \r\n

لن يكفيكِ الذهول، ولا ضياع العقل، يا مدينتي وبلادي. \r\n

العقلُ قليلٌ للغاية، والذهولُ قليلٌ قليل. \r\n

يجب أنْ تُستَباحي مرّةً تلو مرّةٍ تلو مرّة، قبل أنْ تُستَكمَل لعناتُ أقداركِ ومطالبُ الجلّادين. \r\n

أسوأ ما في الأمر، يا مدينتي وبلادي، أنّكِ تُستَباحين من الداخل. \r\n

يُمكنكِ الآن أنْ تُعيدي حساباتكِ جيّدًا، وأنْ تختاري الموتَ الذي تَرَينَه مناسبًا لِما بقي منكِ، بعد أنْ يسلّمكِ القضاة إلى قوّادِيكِ الميامين. \r\n

سترتفعين كصليبٍ فوق جلجلة. لكنكِ لستِ اللصَّ الذي من على اليسار، ولا اللصَّ الذي من على اليمين. \r\n

فأنتِ مسيحٌ، ولا بدّ، ولن تكوني أقلَّ من مسيح.\r\n

هذه مرثيّةٌ أوّليةٌ لكِ، يا صغيرتي، يا امرأتي وحبيبتي، ولكِ يا مدينتي وبلادي، ومرثيّةٌ لمئويّة لبنان الكبير.\r\n

لكنّكِ موعودةٌ، ولا بدّ، بأناشيد الفرح والكرامة والمديح. \r\n

وكصليبٍ فوق جلجلة، وكمسيحٍ، ستهجركِ المراثي، وستنزلين عن الصليب، وستقيمين في قبرٍ، إلى أنْ يتدحرج الحجرُ، ولا بدّ، عن قبركِ اللعين!\r\n

[email protected]

\r\n