الجمعة - 25 أيلول 2020
بيروت 28 °

لماذا لم تتركوا جوسلين خويري تُغادر المتراس؟

غسان صليبي
لماذا لم تتركوا جوسلين خويري تُغادر المتراس؟
لماذا لم تتركوا جوسلين خويري تُغادر المتراس؟
A+ A-

لم يكن سهلاً على جوسلين خويري ولا على أسعد شفتري أو بول عنداري ولا على غيرهم من الذين حذوا حذوهم، أن يقاتلوا في صفوف "الكتائب" أو "القوات اللبنانية" إبان الحرب اللبنانية. الثلاثة تركوا السلاح قبل نهاية الحرب ونذروا أنفسهم للصلاة ولأعمال الخير بحسب العقيدة المسيحية.

خصومهم يعتبرون ما قاموا به ندماً أو اعترافاً من قبلهم بعدم أحقية قضيتهم، أو انسحاباً من معركة عسكرية خسرت فيها القوى التي قاتلوا تحت رايتها.

قياداتهم الحزبية السابقة والحالية، صرحت بعد موت جوسلين خويري، بأن ما قامت به المرأة ليس تحولاً بقدر ما هو استكمال لنضالها بطرق أخرى، وبأنّ لا تناقض بين السلوكين.

فبحسب هؤلاء، الكنيسة المسيحية لا ترفض العنف بالمطلق، والأمثلة كثيرة على ذلك، وأبرزها الحروب الصليبية وموت الكثير من الباباوات في قيادة الحروب.

هناك أمثلة عن حروب خرى تحججت جميعها بالدفاع عن النفس أو عن الجماعة أو عن الوطن أو عن المقدسات الدينية. حتى إن محارِبات ومحاربين مسيحيين أصبحوا قديسين، وفي طليعتهم القديسة جان دارك.

الكنيسة المسيحية رفضت ممارسة العنف حتى القرن الرابع بعد المسيح، وتمكنت من إخضاع الأمبراطورية الرومانية لاعنفياً. لكنها بعد ذلك، وقد أصبحت جزءاً من السلطة، تطبّعت بلوثة العنف، وراحت تستخدم الدين لممارسة العنف حفاظاً على السلطة. وأصبح العنف مرافقاً لعملية التبشير بيسوع، وأُخضعت شعوب وقُتلت بحجة التبشير، كما حصل مثلاً مع الهنود الحمر في أميركا بعدما احتل كريستوف كولومبوس "المسيحي" البلاد.

لا شك في أن جوسلين خويري، المسيحية المؤمنة، فكرت بكل ذلك، لكني لا أعتقد أنها توصلت إلى قناعة أن المسيحي يمكنه أن يقاتل أو يَقتُل. فلم تتمكن بالتأكيد من إيجاد دليل واحد في الأناجيل الأربعة، على أن يسوع يتقبل القتال والقتل. والقول بأنه حمل السوط في الهيكل طارداً التجار والصيارفة لا ينطبق على القتل على الإطلاق، وتعبير يسوع عن الغضب ليس أمراً طارئاً بل موقف عبّر عنه في الكثير من المحطات التي كانت تتطلب مواجهة الظلم. المثل ساطع حول رفضه استخدام السيف من قبل تلميذه الذي كان يريد الدفاع عنه، أي إنه رفض عملياً مقولة الدفاع عن النفس حتى لو كانت نفسه هي المهددة، وبالتالي رفض أيضاً الدفاع عن المقدسات، فهو رمزها الأول. وقد دعا إلى مواجهة من "ضربك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر"، فيسوع يريد أن يواجه، لكن بالمحبة وليس بالسلاح.

ليس سهلاً عليك أن تقاتل أو أن تَقتُل إذا كنت مسيحياً. لا بد أن تشعر بالذنب حتى لو قاتلت من أجل الدفاع عن دينك، وربما خاصة إذا دافعت عن دينك، الذي يمنعك من القتال أو القتل. وشعورك بالذنب قد يؤدي بك إما الى الانسحاب من القتال، وإما الى ممارسة العنف الأقصى، انتقاماً من نفسك المذنبة ومن الآخرين الذين تسببوا بإحساسك بالذنب.

لم أقرأ عن ظاهرة في أوساط المؤمنين المسلمين المقاتلين، تشبه ظاهرة جوسلين خويري وأسعد شفتري وبول عنداري وغيرهم من المسيحيين، الذين وإن كانوا قد تخلوا عن حمل السلاح لأسباب سياسية أيضاً، إلا أنهم ابتعدوا عن العنف لأسباب دينية إيمانية.

يبدو لي، ومن أجل فهم الظاهرة من طريق المقارنة بين الاديان، أن المؤمن المسلم لا يواجه الارتباك أو التردد أو تأنيب الضمير بهذه الحدة عندما يقاتل، وخاصة وهو يدافع عن دينه. ليس فقط لأنه يجد في الجهاد ما يمكن أن يبرر أفعاله، بل لأنه يستطيع أن يتشبه بنبيّه أو بالخلفاء الذين قادوا معارك عسكرية من أجل نشر الدعوة وتعميم ديانتهم. في حين أن المسيحي المؤمن عندما يقاتل، لا يجد في حياة المسيح أو تلاميذه أي سلوك يمكنه أن يتشبه به.

لا أعرف إذا كانت جوسلين خويري تصالحت مع مسيحيتها قبل أن تموت، ولا أعرف إذا كان في إمكان أي مسيحي أن يتصالح مع مسيحيته، إذا كان يعيش في جماعة، تعرضت في نظره، أو قد تتعرض، لخطر القتل أو التهجير.

لا شك أن جوسلين خويري حاولت استبعاد تعرضها للتجربة المُرّة، ثانيةً، عبر الخروج من المعركة وتفرغها لأعمال الخير ودعوتها المتكررة إلى ضرورة تعلم العيش المشترك. لعل هذه المقاربة التي توصلت إليها، هي المدخل لحل إشكالية المسيحية المقاتلة. فأضمن الطرق حتى لا تتعرض كمسيحي مؤمن لتجربة القتال والقتل، هي أن تساهم في تأمين ظروف العيش المشترك بسلام. وهذا يتطلب إلغاء كل أشكال الظلم من المجتمع وتعميم العدالة ونشر ثقافة الحوار والمحبة، وهذا ما تطالب به المسيحية الحقّة.

لكن هذا المنحى يفترض وجود قوى مسالمة، علمانية أو إسلامية، في هذا المشرق ذي الأغلبية المسلمة. وهذا ما نفتقده في أيامنا هذه حيث تهيمن سلطات علمانية مستبدة إلى جانب أصوليات إسلامية، سنية وشيعية، وحيث تنخرط زعامات مسيحية طائفية لبنانية، في صراعات محاور إقليمية دموية، أو في صراعات محلية، طائفية ومذهبية، دفاعاً عن زعامتها ومصالحها الخاصة. هذا كله يعرّض المسيحيين لخطر وجودي. وما حدث أخيراً في العراق وفي سوريا للمسيحيين، وما يحدث بين وقت وآخر في مصر، يجعل مسيحيي لبنان متوجسين أبداً من الآخر المسلم. ولا سيما بعد التناقص الكبير في عددهم، وتراجع نفوذهم كجماعة، نتيجة الصراعات في بلدهم التي يتحمل زعماؤهم مسؤولية جزء منها.

في مراسم دفنها، حضرت قيادات الاحزاب التي قاتلت جوسلين خويري في صفوفها، وتصدرت المشهد، وجرى وداع المرأة كأنها لم تبارح مكانها خلف المتراس.

فالمرأة التي ماتت، هي "أيقونة المقاومة المسيحية"، وليست جوسلين خويري التي أمضت أكثر من نصف حياتها وهي تحاول الخروج من عالم الحرب.

المرأة التي دُفنت، هي المرأة التي برهنت أن السلاح هو زينة النساء كما الرجال، وليست المرأة التي تركت السلاح ولم تتبرج بأية زينة، تاركة شعرها الأبيض يغزو رأسها، على غير عادة غالبية النساء.

في رثائي لجوسلين خويري، التي لا أعرفها، ولم أقرأ لها إلا بعض المقتطفات، إنما أرثي مسيحية مقاتلة، قدرها أن تقتل نفسها عندما تقاتل دفاعاً عن نفسها، في هذا المشرق العربي الذي تغطيه الدماء.

الكلمات الدالة